في كل إصلاح قانوني، تتقاطع النوايا التشريعية مع تعقيدات الواقع، وتُطرح الأسئلة حول مدى قدرة النصوص على مواكبة الحياة اليومية للمواطنين، حين يتعلق الأمر بالعدالة، وتصبح التفاصيل الإجرائية أكثر من مجرد أدوات تنظيمية بل تتحول إلى مفاتيح للإنصاف أو أبواب للظلم، من هذا المنطلق تبرز التعديلات الأخيرة التي طالت قانون المسطرة الجنائية والتي تهدف إلى تجاوز إشكالات التبليغ القضائي وتعطيل المحاكمات باعتبار الحكم حضوريًا في حال عدم العثور على المتهم في العنوان المصرح به، ورغم ما تحمله هذه الخطوة من رغبة في الحزم والنجاعة فإنها تفتح في المقابل نقاشًا واسعًا حول مدى انسجامها مع الواقع الاجتماعي ومدى عدالتها في ظل هشاشة سكنية ومعيشية تطبع حياة فئات واسعة من المواطنين.
في تصريح مثير للجدل، أعلن وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي عن دخول تعديلات قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ والتي تنص على أن الحكم سيُعتبر حضوريًا إذا لم يُعثر على المتهم في العنوان المصرح به في بطاقة التعريف الوطنية، مما يجعل الحكم قابلًا للتنفيذ بعد عشرة أيام فقط من صدوره، هذا التغيير الجوهري في منطق التبليغ القضائي يهدف إلى تجاوز ما كان معمولًا به في السابق من إصدار أحكام غيابية متكررة بسبب تعذر التبليغ.
مؤكدًا بتهكم أن “زمن الهروب قد انتهى”، مشددا على أن الدولة لم تعد مستعدة لتكرار سيناريوهات التبليغ المتعثر، معتبرًا أن الإجراءات الجديدة ستضع حدًا لهذا الإشكال، غير أن هذا الحزم القانوني رغم وجاهة منطقه من حيث تسريع المساطر، يثير تساؤلات حقيقية حول مدى انسجامه مع الواقع الاجتماعي والقانوني للمواطنين.
فالمفارقة تكمن في أن الدولة عند تنفيذ الاعتقال تبذل مجهودًا فعليًا لتحديد مكان المتهم والوصول إليه، بينما في مرحلة التبليغ تكتفي بالعنوان المسجل في بطاقة التعريف بغض النظر عن مدى واقعيته أو دقته، هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يُفترض غياب المتهم عن المحاكمة بناءً على عنوان قديم أو غير صالح، بينما يُبذل جهد لاحقًا للعثور عليه قصد الاعتقال؟ أليس من الأجدر أن يُبذل نفس الجهد في التبليغ لضمان حضور فعلي وعادل؟
إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال أن عددًا كبيرًا من المواطنين المغاربة لا يملكون سكنًا دائمًا، ويعيشون في ظروف اقتصادية ومهنية غير مستقرة، ما يجعل تحديث العنوان في بطاقة التعريف الوطنية أمرًا معقدًا أو غير ممكن، فهل يُعقل أن يُحمّل المواطن مسؤولية قانونية جسيمة فقط لأنه لم يُحدّث عنوانه؟ وهل يُعتبر هذا تقصيرًا منه أم نتيجة لسياسات سكنية واجتماعية غير عادلة؟
إن ربط الحضور القضائي بعنوان إداري جامد يتجاهل واقعًا اجتماعيًا متغيرًا، ويُحول آلاف المواطنين إلى متهمين غائبين بحكم القانون، لا بحكم النية أو الفعل، فهذا الواقع يفرض إعادة التفكير في آليات التبليغ القضائي بما يضمن التوازن بين فعالية العدالة واحترام حقوق الأفراد.
فإذا كان الهدف من التعديل هو تسريع الإجراءات القضائية والحد من التلاعب، فإن ذلك لا يجب أن يتم على حساب العدالة والإنصاف، فالمطلوب هو نظام تبليغ أكثر مرونة يأخذ بعين الاعتبار التنقلات الاجتماعية، ويعتمد على وسائل متعددة للتواصل، لا مجرد عنوان في بطاقة وطنية، كما أن تحسين ظروف السكن وتسهيل إجراءات تحديث البيانات الشخصية يجب أن يكون جزءًا من الحل لا مجرد توصية تُلقى على عاتق المواطن دون دعم أو توجيه.
إن العدالة لا تُقاس فقط بسرعة إصدار الأحكام أو بصرامة النصوص، بل بقدرتها على احتضان تعقيدات الواقع الإنساني والاجتماعي، فحين يُختزل الحضور القضائي في عنوان إداري قد لا يعكس الاستقرار الفعلي للفرد، ونكون أمام خطر تحويل القانون من أداة إنصاف إلى وسيلة إقصاء، فالتعديلات الجديدة رغم وجاهة أهدافها تحتاج إلى مرافقة اجتماعية وتشريعية تضمن ألا يُترك المواطن وحيدًا أمام مسؤوليات إدارية قد لا يملك الوسائل لتلبيتها، والمطلوب ليس فقط تحديث العناوين، بل تحديث نظرتنا إلى العلاقة بين المواطن والدولة، بين القانون والواقع، بين النص والعدالة، فالمقاربة العادلة لا تكتفي بتحديد المسؤوليات، بل تسعى إلى تمكين الأفراد من الوفاء بها دون أن تتحول الهشاشة إلى تهمة أو الغياب إلى إدانة.
المصطفى اخنيفس




