لم تكن ليلة الثلاثاء – الأربعاء مجرد تاريخ عابر في ذاكرة ساكنة حي المستقبل بالمسيرة بفاس، بل صدمة إنسانية بكل المقاييس، تعجز الكلمات عن وصف هولها، بعد انهيار عمارتين متجاورتين لا يتجاوز عمرهما أربع سنوات، سقطتا كبيت من ورق في قلب مدينة يحلم أهلها بالأمن والاستقرار. صراخ، غبار، رعب، أجساد تحت الأنقاض، وعائلات انفصلت فجأة عن بعضها، في مشهد لم يعد مقتصراً على النشرات المحلية، بل تناقلته كبريات القنوات الدولية لما يحمله من مأساة إنسانية، وأسئلة ثقيلة حول شروط البناء، المسؤولية، والرقابة.
لم يكد منتصف الليل يقترب حتى اهتز الحي على دوي الانهيار، فخرج سكان العمارات المجاورة يجرون في كل اتجاه، يصرخون، وينادون على أطفالهم، ولا يدركون بعد حجم الخسائر. المشهد بدا كفيلم مأساوي: كتل إسمنتية ضخمة فوق بشر نائمين، لا أحد كان مستعداً لتصديق أن بنايات حديثة، رُوّج لها في لحظة تسويق عقاري باعتبارها سكنَ المستقبل، تتحول في رمشة عين إلى مقبرة جماعية.
وفور إشعار السلطات، تجندت أجهزة الدولة على أعلى مستوياتها، ووصل إلى عين المكان والي جهة فاس – مكناس، ووالي الأمن، ومسؤولو السلطات المحلية والترابية، إلى جانب مختلف الفرق الأمنية والتقنية والوقاية المدنية، لمتابعة الوضع لحظة بلحظة وتنسيق جهود الإنقاذ وانتشال العالقين تحت الأنقاض. لم يكن حضورهم بروتوكولياً، بل فعلاً مستعجلاً يشهد على خطورة الحادث ومستوى الهلع الذي أصاب مئات الأسر بالحي.
تواصلت عمليات البحث في ظروف صعبة، وسط تسابق مع الزمن، لتأمين محيط العمارتين المنهارتين وإجلاء سكان المباني المجاورة، لأن الخطر كان ما يزال محتملاً مع استمرار تشقق الجدران المحاذية. سيارات الإسعاف تنقل الجرحى تباعاً نحو المركز الاستشفائي الجامعي بفاس الذي تجند بكامل طاقمه وأقسامه لاستقبال الضحايا، واحتضان أسرهم، وتقديم العلاجات اللازمة ومواكبة الحالات النفسية المتضررة من هول المأساة.
وعلى الرغم من جهود الإنقاذ والبحث التي استمرت ساعات طويلة، جاءت الحصيلة مفجعة ومؤلمة: 16 جريحاً، بينهم ثلاث نساء وثمانية رجال وأربعة قاصرين وطفلة. أما عدد الضحايا الذين وافتهم المنية فكان الأكثر إيلاماً: خمسة رجال بالغين، سبعة قاصرين ذكور، سبع نساء بالغات، وثلاث طفلات صغيرات. بإجمالي بلغ 38 ضحية بين جرحى ومتوفين. عائلات فقدت أبناءها، وأسر طُمست تحت الإسمنت دون وداع، وأمهات خرجن إلى الشارع بثياب النوم وقلوب منكسرة، يبحثن عن أثر من حياة، أو عن حقيقة يمكن فهمها.
غير أن ما هو أبعد من المأساة الإنسانية، هو الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة ووضوح، وأسئلة من حق كل مواطن أن يطرحها دون مجاملة: كيف يمكن لعمارتين لا يتجاوز عمرهما أربع سنوات أن تنهارا بهذه السرعة وهذا الشكل؟ ما الذي حدث في صمت، وبأي شروط تم البناء؟ وهل كانت المعايير الهندسية مطابقة لما تفرضه القوانين؟ وهل كانت لجان التتبع والمراقبة تقوم بأدوارها كاملة؟ ومن أعطى الرخص؟ ومن سلم الشهادات؟ وهل كانت عمليات التحقق التقنية شكلية أم حقيقية؟ وهل نحن أمام خطأ مهني جسيم، غش في مواد البناء، تساهل في المراقبة، أم شبكة متشابكة من المسؤوليات تتوزع بين المنعشين العقاريين، المهندسين، والمصالح التقنية المانحة للرخص؟
لا تزال التفاصيل التقنية الرسمية في طور التحقيق، لكن المؤلم هو أن الأرواح لا تُستعاد بعد وقوع الكارثة، وأن الثقة في الإسمنت الذي نسكنه لم تعد مُسلَّماً بها. فإذا كان الانهيار قد ضرب بنايات لم يُكتب لها أكثر من أربع سنوات من العمر، فإن الخوف يمتد اليوم إلى كل عمارة حديثة البناء، ما لم تُعلن الحقيقة كاملة، بلا رتوش أو أعذار.
لقد دقت هذه الفاجعة ناقوس الخطر بصوت مرتفع، وجعلت سؤال الرقابة والجودة سؤالاً وجودياً أكثر من كونه إدارياً. فسلامة السكان ليست امتيازاً، ولا يُفترض أن تكون رهينة الغش في مواد البناء أو التساهل في منح الرخص. وإذا لم تكن الهندسة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تجارية، فإن الخرسانة قد تتحول إلى قاتل صامت.
فاس التي استيقظت تحت صدمة دامية، لا تنتظر فقط مواساة أو بيانات رسمية، بل تنتظر تحقيقاً شفافاً، ومحاسبةً واضحة، وجرأة في كشف الأسباب المعلنة وغير المعلنة، حتى لا تتحول كوارث البناء إلى مشاهد مكررة في مدننا.
هشام التواتي




