وسط مشهد فريد، تبدو سيارة الإسعاف وهي تشق طريقها فوق مياه الفيضان بين القصر الكبير و العرائش، كأنها خيط النجاة الأخير في مدينة حاصرتها المياه من كل الجهات.
هذه الصورة ليست لقطة عابرة، بل تلخيص مكثف لوضع استثنائي كشف هشاشة البنية التحتية، وفي الوقت نفسه أظهر شجاعة الأطر الصحية وفرق الإنقاذ التي واصلت عملها رغم انقطاع الطرق وإغلاق المستشفى المحلي بعد غمره بالمياه.
في لحظة يضطر فيها الآلاف إلى الإجلاء ومغادرة بيوتهم، تصبح كل دقيقة تأخير في الوصول إلى مريض أو امرأة حامل مسألة حياة أو موت. هنا يبرز المعنى الحقيقي للوطنية عندما يتحول مهنيو الصحة بكل فئاتهم، إلى جنود ميدانيين يواجهون مخاطر الطريق و مشاقه في عربات غالبا ما تفتقر للتجهيز الملائم والتنظيم المحكم، بينما تبقى تعويضاتهم عن الأخطار والسهر و الاعباء في مستويات هزيلة لا تعكس حجم ما يتحملونه من مسؤولية.
إن هذه الملحمة الإنسانية التي نعيشها اليوم بمناطق الشمال الغربي المغمورة بمياه الفيضانات تفضح أيضا فراغا تشريعيا وتنظيميا في مجال النقل الصحي؛ فشبكة الإسعاف ما تزال تعاني غياب تأطير قانوني واضح، وتداخل في الاختصاصات، وعشوائية في تدبير الموارد البشرية واللوجيستيكية، وهو ما يجعل حياة المرضى والمهنيين معا رهينة للاجتهادات الفردية بدل سياسة عمومية منسجمة.
لذلك بات من الضروري إقرار منظومة وطنية متكاملة للنقل الصحي، تحدد الأدوار والمسؤوليات، وتضمن تكوينا متخصصا، وتعويضات عادلة عن أخطار الطريق والمداومة، حتى يشعر هؤلاء المهنيون أنهم شركاء حقيقيون في الإصلاح لا ضحايا لنكران الجميل.
تحية تقدير لكل من يقود هذه السيارات في صمت، ونداء صريح لجعل تضحياتهم مدخلا لإصلاح عميق يعيد الاعتبار للنقل الصحي كحلقة حاسمة في الحق في الصحة، ويحول شعارات التحفيز والتثمين إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
بقلم : حمزة ابراهيمي




