من المغرب إلى غزة: حين يتحوّل حضن الأب إلى ساحة مواجهة

ابراهيم
أحداثقضايا عامةمجتمع
ابراهيم30 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
من المغرب إلى غزة: حين يتحوّل حضن الأب إلى ساحة مواجهة

في زمن تتداخل فيه الصور وتتشابك فيه المشاعر، تبرز لحظات حزينة تختزل وجعًا جماعيًا لا يُمحى بسهولة، لحظات لا تحتاج إلى تعليق، لأنها تنطق بما تعجز عنه الكلمات، من المغرب إلى غزة، من حضن أبٍ يحتضن طفلته إلى حضن آخر يُحتضر تحت الرصاص، تتكرر المأساة، وإن اختلفت الجغرافيا.

في مشهد مؤلم التُقط خلال الوقفة الاحتجاجية السلمية يوم السبت 27 شتنبر 2025، ظهر أب مغربي يُدفع نحو عربة الاعتقال وهو يحتضن طفلته الصغيرة، التي كانت تصرخ من الذعر وتتشبث بوالدها وسط فوضى التدخل الأمني، الصورة، التي انتشرت بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، أعادت إلى الأذهان مشهدًا محفورًا في الذاكرة الإنسانية: الطفل الفلسطيني محمد الدرة ، الذي قُتل في حضن أبيه خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، تحت نيران قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم اختلاف السياقات السياسية، فإن المقاربة بين الصورتين تكشف عن تشابه مؤلم في منطق الردع: في غزة، كانت قوات الاحتلال تُطلق النار على أب وطفله الأعزلين، وفي الرباط، كانت القوة الأمنية تدفع أبًا نحو الاعتقال أمام صراخ طفلته، في لحظة تُجسّد انهيارًا في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتُعيد طرح سؤال عميق حول حدود السلطة ومفهوم الحماية.

إنّ صورة اعتقال أب رفقة ابنته الصغيرة تبقى جرحًا غائرًا في ضمير هذا الوطن، ووصمة عار لا تُمحى بسهولة، ورسالة عتاب مريرة إلى من بيدهم زمام المسؤولية. فالأب لم يُعتقل وحده، بل اعتُقل معه الأمل، واعتُقل معه الحلم بمغرب يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية لأبنائه. هذه اللحظة تختصر شعورًا جماعيًا بالخذلان، وتُجسّد مفارقة مؤلمة: أن يتحوّل الحُضن، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، إلى ساحة مواجهة تُمارَس فيها السلطة دون اعتبار للطفولة أو للكرامة الإنسانية.

الوقفة التي شهدت هذا المشهد لم تكن سوى تعبير سلمي عن مطالب شعبية تتعلق بالتعليم والصحة، وهي حقوق أساسية كفلها الدستور المغربي، لكن الرد الأمني العنيف أعاد طرح سؤال جوهري: هل أصبح التعبير عن المطالب الاجتماعية يُقابل بالقمع بدلًا من الحوار؟ وهل باتت الدولة تنظر إلى المواطن كخصم لا كشريك؟ وهل يمكن أن يُبنى وطنٌ على الخوف بدلًا من الثقة؟
الصورة المغربية لم تكن دامية، لكنها كانت كافية لتُعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا بصيغة جديدة: هل يُمكن لوطنٍ أن يضمن العدالة وهو يعتقل الحلم في حضن أبٍ يحتضن ابنته؟

فقوة الدول لا تقاس بعدد عناصرها الأمنية، بل بقدرتها على احتضان مواطنيها في لحظات الضعف والغضب، وما بين صرخة طفلة في الرباط ودمعة طفل في غزة، يبقى الحُضن رمزًا إنسانيًا لا يجب أن يُدنّس، ولا أن يُحوّل إلى ساحة مواجهة، فالوطن الحقيقي هو ذاك الذي لا يخاف من صوت أطفاله، بل يصغي إليهم، ويعدهم بمستقبلٍ لا يُعتقل فيه الحلم.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق