في المجتمعات التي تتعاقب فيها الحكومات دون أن تتغير السياسات يتحول الزمن السياسي إلى دوران مستمر داخل حلقة مغلقة حيث لا تُقاس التحولات بعدد الوجوه الجديدة بل بقدرة النظام على تجديد نفسه ومواجهة أزماته بدل الاكتفاء بإعادة تدويرها، وفي السياق المغربي لم تعد الأزمة مجرد حدث عابر بل أصبحت نمطًا مستقرًا يُدار أكثر مما يُحل ويُبرر أكثر مما يُفكك مما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة بين السلطة والمسؤولية والمواطن
هذا ما يتجلى بوضوح في المغرب حيث تتعاقب الحكومات وتتغير الوجوه لكن الأزمات تبقى ثابتة، بل تتجذر وتتشعب من التعليم إلى الصحة، ومن التشغيل إلى الحريات، تتكرر نفس المعضلات ويُعاد إنتاج نفس الخطاب السياسي “لسنا السبب، بل من سبقنا”. هكذا تتحول السياسة إلى لعبة تبادل أعذار، حيث يُفضل كل فاعل حكومي أن يبرئ نفسه بدل أن يتحمل مسؤولية الإصلاح وكأن الزمن السياسي يدور في حلقة مغلقة من الإنكار والتبرير.
الخطاب الرسمي بات مشبعًا بثقافة التبرير لا ثقافة الإنجاز، كل حكومة تبدأ عهدها بتشخيص الأزمة وبعدها تبدا بتحمّل المسؤولية لمن سبقها، ثم تمضي في إدارة الأزمة لا حلها، وتكتفي بتجميل الواقع بدل تغييره، ويبقى المواطن هو الحلقة المنسية في هذا المشهد يُطالَب بالصبر ويُمنح الوعود، لكنه لا يرى تغييرًا ملموسًا في حياته اليومية يظل ينتظر من يملك الجرأة على الفعل لا من يتقن فن التبرير.
ما يعيشه الشعب اليوم لا يمكن اختزاله في ضعف الأداء الحكومي فقط، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية في الثقافة السياسية نفسها، فالمسؤولية تُفهم على أنها فرصة للظهور الإعلامي لا التزام عملي، والمحاسبة تُؤجل إلى أجل غير مسمى، بينما تُستخدم مفاهيم مثل “الاستقرار” و”المصلحة الوطنية” كستار لتبرير الجمود، وتُوظف شعارات التنمية كأدوات لتسويق السياسات لا كآليات لتغيير الواقع.
في هذا السياق يصبح الإصلاح الحقيقي تهديدًا لا هدفًا، لأن أي محاولة لتغيير جذري تعني مواجهة شبكات المصالح وفضح التراكمات وكسر دائرة الأعذار وهو ما لا تجرؤ عليه أغلب الحكومات التي تفضل أن تظل جزءًا من المشكلة بدل أن تكون بداية للحل، وهكذا يتحول الفعل السياسي إلى إدارة للأزمة بدل مواجهتها وإلى تكرار للخطاب بدل تجديده.
المواطن المغربي، الذي يُفترض أن يكون محور السياسات العمومية يجد نفسه في موقع المتفرج يسمع عن “الإرث الثقيل”، و”المرحلة الانتقالية”، و”الظروف الدولية”، لكنه لا يرى أثرًا لذلك في جودة التعليم أو في خدمات الصحة، أو في فرص الشغل، بل يُطلب منه أن يتفهم ويصبر ويشارك في الانتخابات دون أن يُمنح أدوات الفعل أو صوتًا حقيقيًا في القرار، إنه يُستدعى فقط حين يُراد تبرير الشرعية، ويُهمّش حين يُطرح سؤال الفاعلية.
المرحلة التي يعيشها المغرب اليوم تقتضي أكثر من مجرد تغيير الوجوه أو تدوير المناصب، إنها لحظة مفصلية تتطلب خطابًا جديدًا يعترف بالمسؤولية ويقطع مع ثقافة التبرير ويضع المواطن في قلب المعادلة، فالأزمات لا تُحل بالإنكار بل بالمواجهة، والمستقبل لا يُبنى على أنقاض الأعذار بل على إرادة سياسية صادقة تملك الشجاعة لتقول: “نحن مسؤولون، وسنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا.”
قد لا تكمن الأزمة في السياسات وحدها بل في البنية الذهنية التي تُنتجها وتُعيد إنتاجها حيث يُنظر إلى الحكم كامتياز لا كتكليف ويُعامل المواطن كمتلقٍ لا كشريك وإذا كان التغيير الحقيقي يبدأ من الاعتراف فإن أول خطوة نحو الإصلاح تكمن في كسر منطق الأعذار والانتقال من إدارة الأزمة إلى مواجهتها لأن المجتمعات لا تنهض حين تتغير الحكومات فقط بل حين تتغير طريقة التفكير في السلطة وفي الناس وفي المستقبل .
المصطفى اخنيفس




