“أوتيستو”.. حين تنطق السينما بوجع الصمت وتعيد للأمومة معناها الوجودي

ابراهيم
أحداثثقافة
ابراهيم21 أكتوبر 2025آخر تحديث : منذ 6 أشهر
“أوتيستو”.. حين تنطق السينما بوجع الصمت وتعيد للأمومة معناها الوجودي
“أوتيستو”.. حين تنطق السينما بوجع الصمت وتعيد للأمومة معناها الوجودي

في الدورة الجديدة من المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، تشهد الساحة السينمائية المغربية عودة الفنانة لبنى أبيضار بفيلم يحمل في عنوانه وموضوعه عمقاً إنسانياً نادراً، هو فيلم “أوتيستو” للمخرج الفرنسي جيروم أوليفر كوهين، والذي يُعرض رسمياً يوم 20 أكتوبر 2025. عمل درامي مكثف يتقاطع فيه البعد الاجتماعي مع الأسئلة الوجودية، حيث تتحول الأمومة إلى جبهةٍ للمقاومة، والحب إلى فعل تحدٍّ ضد مجتمعٍ يقدّس الصورة وينسى الإنسان. يجسّد الفيلم حكاية أم عازبة لطفل مصاب بالتوحد، تواجه عالمًا لا يرحم ضعفها ولا يتفهم اختلاف ابنها. بين جدران الواقع القاسي، تترنح الشخصية بين رغبتها في احتضان الحياة وبين قسوة الأحكام الجاهزة، في سردٍ سينمائي لا يبحث عن التعاطف بقدر ما يكشف هشاشة المنظومة الاجتماعية في مواجهة المختلف. من خلال عدسة كوهين، يصبح “أوتيستو” أكثر من مجرد قصة؛ إنه سؤال معلّق حول معنى الإنسانية حين تُختبر في الهامش. فالأمومة هنا ليست لحظة عاطفية مثالية، بل حالة من الصراع الوجودي بين العطاء والخوف، بين الانتماء والنبذ. وتأتي مشاهد الفيلم — رغم جرأتها — لتخدم هذا الجوهر، إذ تنزع عن الجسد قناع الإغراء لتعيد إليه بعده الإنساني، في مواجهة مجتمعٍ يخاف من رؤية ما يخفيه. أما لبنى أبيضار، فتبدو في هذا العمل كمن يعود من رماد التجربة ليولد من جديد عبر الكاميرا. فالممثلة التي أثارت الجدل في مسيرتها السابقة، تعود اليوم بوعيٍ فني وإنساني مختلف، لتقول إن الفن يمكن أن يكون اعترافاً وشفاءً ومصالحةً في آن واحد. أداءها لا يقوم على الصراخ أو المبالغة، بل على الصدق الصامت، حيث تتحدث الملامح أكثر مما تنطق الكلمات، وتتحول كل نظرةٍ إلى صرخة حبٍ في وجه مجتمعٍ يجلد المختلف باسم الأخلاق. يُحسب للفيلم أيضاً أنه ينقل التوحد من دائرة المرض إلى فضاء الإنسانية، فيُظهره لا كوصمة، بل كطريقة أخرى لرؤية العالم. وهنا تكمن قوة “أوتيستو”: في كونه فيلمًا عن الاختلاف لا عن العجز، وعن الأمومة كحالة وعيٍ لا كدورٍ اجتماعي. بأسلوبٍ بصري يجمع بين الضوء الرمادي والحركة البطيئة، يخلق كوهين فضاءً مشحوناً بالتوتر الهادئ، وكأن الزمن نفسه يتواطأ مع الألم ليروي قصة الحبّ بصبرٍ فلسفي. أما النص السينمائي، فيستند إلى واقعيةٍ قاسية تتسلل منها لحظات شعرية نادرة، حيث يتحول الصمت إلى لغةٍ موازية، والدمعة إلى استعارةٍ للحياة ذاتها. “أوتيستو” ليس مجرد عودة فنية لأبيضار، بل هو عودة للإنسان في الفن المغربي. إنه فيلم يُذكّر بأن السينما ليست مرآة للواقع فحسب، بل أداة لتفكيكه وإعادة بنائه على أسسٍ أكثر رحمةً وصدقاً. بهذا المعنى، يُمكن اعتبار العمل تأملاً في حدود التقبّل الإنساني، وفي إمكانية تحويل الجرح إلى وعيٍ مشترك. في نهاية العرض، يخرج المتفرج من القاعة مثقلاً لا بالحزن، بل بإحساسٍ غريب بالمسؤولية؛ مسؤولية النظر إلى الآخر دون حكم، والإنصات إلى الصمت بوصفه لغةً مكتومة للمحبة. وهكذا ينجح “أوتيستو” في أن يكون بياناً سينمائياً في فلسفة الأمومة، وفي معنى الوجود حين يُصبح الاختلاف هو جوهر الإنسان لا عيبه.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق