في مشهد أثار استياءً واسعًا واستغرابًا عميقًا لدى فئات عريضة من المجتمع حيث ظهر رئيس الحكومة المغربية وهو يطوي العلم الوطني ويضعه تحته، أثناء مشاركته في نشاط حزبي، هذا الفعل الذي وثقته عدسات الكاميرا وانتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، لا يمكن اعتباره مجرد هفوة عابرة أو تصرفًا عفويًا، بل هو سلوك يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى إدراك بعض المسؤولين لرمزية الدولة ومكانة رموزها الوطنية.
العلم الوطني ليس مجرد قطعة قماش تُرفع في المناسبات، بل هو تجسيد لهوية شعب وتاريخ أمة وتضحيات أجيال ناضلت من أجل الاستقلال والسيادة، هو الرمز الأسمى الذي يُلفّ به الشهداء ويُرفع في المحافل الدولية ويُغرس في وجدان كل مغربي كمصدر للفخر والانتماء، المساس به بأي شكل من الأشكال يُعدّ مساسًا بمشاعر المواطنين وبقيم الدولة ذاتها.
وتجدر الإشارة إلى أن رمزية العلم الوطني تستمد قوتها من مكانته القانونية والدستورية، حيث يُعدّ من أبرز رموز السيادة والوحدة الترابية للمملكة، كما أن الدستور المغربي في ديباجته يؤكد على صيانة الهوية الوطنية ومقوماتها، وهو ما يضفي على العلم طابعًا مقدسًا لا يُقبل المساس به تحت أي ظرف.
وإذا كان المواطن العادي يُحاسب قانونيًا وأخلاقيًا على أي إساءة للعلم، فكيف يمكن تبرير أن تصدر مثل هذه الإهانة عن أعلى سلطة تنفيذية في البلاد؟ رئيس الحكومة ليس مجرد موظف عمومي بل هو رمز من رموز الدولة ومناط به تجسيد هيبتها واحترام مؤسساتها ورموزها، إن من واجبه أن يكون قدوة في الالتزام بالقيم الوطنية، لا أن يكون مصدرًا للجدل أو الاستفزاز.
إن مثل هذه التصرفات حتى وإن كانت غير مقصودة، تكشف عن خلل في الوعي الرمزي والسياسي، وتستدعي وقفة تأمل ومساءلة، فالثقة التي يمنحها الشعب للمسؤولين لا تُمنح عبثًا بل تُبنى على أساس من الاحترام المتبادل والحرص على صون كرامة الوطن ومقدساته.
في زمن تتعاظم فيه التحديات الداخلية والخارجية، وتُبذل فيه جهود جبارة لترسيخ صورة المغرب كدولة مؤسسات، فإن مثل هذه السقطات لا تخدم إلا خصوم الوطن، وتُضعف منسوب الثقة في النخبة السياسية، لذلك يبقى الاعتذار العلني والتأمل في هذه المسؤولية خطوة اساسية لبناء الثقة وتعزيز قيم الدولة .
المصطفى اخنيفس




