إيمان الناضفي : حين تصبح الكتابة شكلًا من أشكال النجاة

ابراهيم
الوطنيةثقافة
ابراهيم28 يناير 2026آخر تحديث : منذ 3 أشهر
إيمان الناضفي : حين تصبح الكتابة شكلًا من أشكال النجاة
إيمان الناضفي : حين تصبح الكتابة شكلًا من أشكال النجاة

ليست الكتابة عند إيمان الناضفي فعلًا لغويًا محضًا، بل استجابة وجودية لنداء قديم، نداء الطفولة التي رفضت أن تُختزل في الصمت. فالأدب، في تجربتها، ليس اختيارًا حرًّا بقدر ما هو قدرٌ فنيٌّ طويل، بدأت ملامحه الأولى بالرسم، بالخياطة، بالمانغا، وبمحاولات بدائية لفهم العالم قبل تسميته.
خلف الروايات، لا تقف كاتبة بقدر ما تقف ذاتٌ تبحث عن توازنها، ذاتٌ تعلّمت باكرًا أن التعبير ليس ترفًا، بل وسيلة للبقاء.
وُلدت إيمان الناضفي في 25 شتنبر 2000 بسوق الأربعاء، و تنقّلت بين خنيفرة و مشرع بلقصيري، لا كمن يغيّر الأمكنة، بل كمن يعيد تشكيل ذاكرته. المدن، في تجربتها، ليست جغرافيا، بل حالات شعورية؛ تترسّب في الداخل وتعود لاحقًا في هيئة عوالم روائية، و شخصيات مأزومة، و أسئلة لا تبحث عن إجابة نهائية.

التعدد كبحث عن اللغة المناسبة للذات

من البيولوجيا إلى الأدب الإنجليزي، ثم إلى تصميم الأزياء، يبدو المسار متشعّبًا، لكنه في العمق خطٌّ واحد: البحث عن اللغة التي تستطيع الذات أن تقول بها حقيقتها. لم يكن الانتقال بين التخصصات هروبًا، بل اقترابًا بطيئًا من الجوهر.
الفن، بكل أشكاله، كان وسيلتها لفهم العالم قبل الحكم عليه، و للتصالح معه قبل تغييره. و مع الوقت، صارت الكتابة المساحة الأوسع التي تتسع لكل الفنون السابقة دون أن تلغيها.

القراءة كعودة إلى الذات

تصف إيمان علاقتها بالقراءة بأنها جاءت متأخرة، لكنها جاءت حين كانت الحاجة أشد. فالكتب لم تدخل حياتها كمتعة عابرة، بل كملاذ. تعلّمت منها أن الإنسان لا يُختزل في زاوية واحدة، و أن الفهم يسبق الحكم، و أن الألم حين يُحكى يفقد بعض سلطته.
من هنا، لم تكن الكتابة تقليدًا لما قُرئ، بل محاولة للإنصات لما لم يُقَل بعد.

من الصورة إلى الكلمة: خسارة الضروري و ربح العميق

بدأت الحكاية بالصورة؛ بالمانغا و الأنيم. و كانت «لعنة أديمون» مشروعًا بصريًا قبل أن تتحول إلى نص روائي. غير أن الفكرة، حين أثقلت الإطار، احتاجت إلى لغة أوسع من الرسم. فكانت الرواية.
تعترف إيمان أن التحول من الصورة إلى الكلمة كان فقدانًا لاختزال بصري، لكنه في المقابل كان ربحًا للعمق: عمق النفس، وتعقيد العلاقات، و هشاشة المشاعر. و مع ذلك، لم تتخلَّ عن عين الرسّامة؛ فشخصياتها تُرى قبل أن تُكتب.

وحدة الداخل و تعدّد العوالم

رغم اختلاف العوالم بين «لعنة أديمون»، و«قنديشة»، و«لايثرس»، و«خربوشة»، فإن الخيط الناظم بينها هو الذات. اللعنة، التوازن، فقدان الأمان، ليست عناصر تخييلية فقط، بل استعارات لحالات داخلية عاشتها الكاتبة و تعيد تفكيكها عبر السرد.
كل رواية، في نظرها، ليست حكاية مكتملة، بل مرحلة شعورية. و أكثر النصوص ألمًا و صدقًا، هي تلك التي كُتبت في لحظات هشاشة قصوى، حيث تصبح الكتابة فعل مقاومة لا إبداعًا جماليًا فحسب.

الشخصيات كأثر وجودي

لا تفصل إيمان بين نفسها و شخصياتها. فكل شخصية تحمل شظية منها، من مخاوفها، من طفولتها، من جسدها حتى. الشامة التي كانت عبئًا طفوليًا، تحوّلت إلى علامة تفرد في النص، و كأن الكتابة أعادت تعريف ما كان يُرى نقصًا.
البكاء أثناء الكتابة ليس ضعفًا، بل دليل انخراط كامل. فالسرد عندها ليس تمثيلًا، بل معايشة. الكاتب، في النهاية، يترك أجزاءً من روحه متناثرة بين الصفحات.

الكتابة ضد الاصطناع

في موقفها من الذكاء الاصطناعي، تنحاز إيمان إلى البطء، وإلى الخطأ الإنساني، وإلى التعب. ترى أن النص الحقيقي لا يُنتَج، بل يُعاش، وأن المشاعر لا تُستخرج من خوارزمية.
حين يضعف النص، لا تبحث عن بديل آلي، بل تنتظر. لأن الانتظار، في نظرها، أصدق من الكتابة بلا روح.

الكتابة كفعل نجاة

لا تكتب إيمان الناضفي لتُخلَّد، بل لتبقى واقفة. الكتابة عندها ليست وعدًا بالشهرة، بل وعدًا للطفلة التي لم تجد لغتها بعد. أن تسمعها. أن تصدقها. أن تقول لها: ما زلت هنا… وما زلت أكتب، كي لا أضيع.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق