كوكاس ورباعي يمنحان نص “ملجأ الهويات التائهة” حياة جديدة في لغة أخرى

ابراهيم
أحداثالوطنيةثقافة
ابراهيممنذ 4 ساعاتآخر تحديث : منذ 4 ساعات
كوكاس ورباعي يمنحان نص “ملجأ الهويات التائهة” حياة جديدة في لغة أخرى
كوكاس ورباعي يمنحان نص “ملجأ الهويات التائهة” حياة جديدة في لغة أخرى

يقترح علينا كتاب “ملجأ الهويات التائهة” رحلة مختلفة في معنى الهوية والاقتلاع والبحث عن الذات. حين يفتح سؤالًا وجوديًا عميقًا: أين يذهب الإنسان حين تتشظى هويته بين الأمكنة واللغات والذكريات؟
الكتاب الذي كتبه مجيد بلال وترجمه إلى العربية عبد العزيز كوكاس وسعيد رباعي، وصدر عن منشورات النورس في طبعته الأولى سنة 2026، نص سردي يقع في المنطقة الرمادية بين السيرة والاعتراف والتأمل الإنساني. يتعامل مع الهوية لا باعتبارها معطى ثابتًا أو بطاقة تعريف اجتماعية، بل باعتبارها تجربة معيشة، هشة، ومفتوحة على التحول الدائم. فالهويات في هذا الكتاب ليست قلاعًا صلبة، بقدر ما هي كائنات متحركة تبحث عن مأوى، تمامًا كما يبحث الإنسان عن مكان يضع فيه ذاكرته المتعبة.
وتأتي استعارة “الملجأ” التي يحملها العنوان. كمفتاح حالة وجودية متشظية بين الهنا والهناك. إنه الفضاء الذي يحتمي فيه الإنسان من عنف العالم، ومن أسئلة الانتماء التي لا تنتهي. في زمن الهجرة والاقتلاع والحدود الصلبة، يصبح السؤال عن الهوية سؤالًا عمق الذات في مهاجر ومنافي تحولت من الاحتضان إلى النبذ.
ينتمي الكتاب إلى أدب الشهادة الإنسانية بقدر ما ينتمي إلى السرد الأدبي. فهو يلتقط لحظات دقيقة من الحياة اليومية للكاتب ومن خلاله أفراد وجدوا أنفسهم في مناطق رمادية بين ثقافتين أو أكثر، بين وطن يتراجع في الذاكرة ووطن جديد لم يتحول بعد إلى بيت. إنه أدب التفاصيل الصغيرة: نظرة في محطة قطار، لهجة مختلفة في الشارع، ذاكرة طعام، أو جملة عابرة تعيد فتح جرح قديم في الروح. في هذه التفاصيل يتجسد المعنى الحقيقي للهجرة بوصفها تجربة إنسانية عميقة، أكثر منها انتقالا جغرافيا. يقول الكاتب محمد نضالي فيي تقديمه لهذا الكتاب: “يتضمن “ملجأ الهويات التائهة” ستة وثلاثين نصا حكائيا، يغلب عليها الطابع السير ذاتي: قصص عن الوطن وعن الغربة، قصائد نثرية وأخرى موزونة، حكايات رمزية (خرافات)، تأملات وانطباعات، أنشودة للأمازيغية ولجميع الذين يناضلون من أجل أن تُبعث هذه اللغة الرائعة من جديد، وأخرى للوطن الأصلي، وأنشودة ثالثة لبلد الاستقبال ثم تعريف متميز لمعنى “تامغربيت”.
تشكّل لغة مجيد بلال استثناءً مبهجا في الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية: لغة ثرية، سلسة، مفعمة بالصور التي تخطف الأنفاس، يحكمها إيقاع بديع بكل المقاييس، نثرها مستعار من الشعر إلى حد بعيد جعلني أفاجئ نفسي، أمام بعض المقاطع، وأنا اُنشد بدل أن أقرأ. كما في تلك الاعترافات الغرامية المذهلة في نص “حج أميرة””

ينجح كتاب “ملجأ الهويات التائهة” في تقديم صورة مركبة للهويات المعاصرة، تلك التي لم تعد تقبل الاختزال في تعريف واحد. فالشخصيات هنا تحمل أكثر من ذاكرة وأكثر من لغة وأكثر من انتماء. إنها هويات هجينة، لكنها في الوقت نفسه هويات خصبة، لأنها قادرة على إعادة اختراع نفسها.
ومن اللافت أن الترجمة العربية التي أنجزها عبد العزيز كوكاس وسعيد رباعي لا تنقل النص فقط، بل تبدع نصا جديدا في لغة أخرى بشعرية مكثفة وعميقة وهي تحافظ على روحه الإنسانية وعلى حساسيته الثقافية. فالنص في ترجمته العربية يبدو وكأنه يعبر من ضفة إلى أخرى دون أن يفقد دفء صوته الأصلي.
إن «ملجأ الهويات التائهة» يندرج ضمن الكتابات العالمية التي تحاول فهم الإنسان المعاصر في زمن العبور الكبير: عبور الحدود، وعبور اللغات، وعبور الذاكرة نفسها. إنه كتاب عن الذين يعيشون بين عالمين، وعن الذين يحملون أوطانهم في اللغة أكثر مما يحملونها في الجغرافيا.
لا يقدم هذا الكتاب أجوبة جاهزة، بل يترك القارئ أمام سؤال مفتوح: هل الهوية ما نحمله معنا، أم ما نبحث عنه طوال حياتنا؟ ربما لهذا السبب تحديدًا يبدو هذا الكتاب ضروريًا اليوم. لأنه لا يتحدث فقط عن المهاجرين أو المنفيين، بل عن الإنسان الحديث عمومًا؛ ذلك الكائن الذي يعيش في عالم سريع التحول، حيث تصبح الهوية رحلة دائمة، لا محطة وصول.

حسن الوزان

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق