أزمة السياسات العمومية وجدلية الوعود والمحاسبة

ابراهيم
أحداثالوطنيةثقافةسياسةقضايا عامة
ابراهيممنذ 54 دقيقةآخر تحديث : منذ 54 دقيقة
أزمة السياسات العمومية وجدلية الوعود والمحاسبة
أزمة السياسات العمومية وجدلية الوعود والمحاسبة

تتسم المحطات الانتخابية التشريعية والترابية في المغرب بنقاش مجتمعي وسياسي عميق يتجاوز التنافس الحزبي اللحظي ليمس الجذور البنيوية لتدبير الشأن العام والسياسات العمومية، وتأثيرها المباشر على المعيش اليومي للمواطن؛ حيث يفرز هذا الواقع المأزوم تساؤلات جوهرية حول نجاعة المنظومة بأكملها في تحقيق التنمية المنشودة، وفك الارتباط بين الاستحقاق الدستوري والمعاناة المتكررة، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد الاستحقاق، وما تفرزه من سياسات وممارسات، جزءًا أساسيًا من تقييم جدوى الاختيار الانتخابي.

وتظهر في هذه المرحلة فجوة ملموسة بين الخطاب الانتخابي المليء بالوعود الاجتماعية والاقتصادية الكبرى في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والتشغيل، وبين واقع الممارسة الفعلي بعد كل استحقاق. وعند تفكيك هذه الظاهرة، يتضح أن المأزق الحقيقي لا يكمن بالضرورة في كفاءة الاختيار الانتخابي أو هوية الأحزاب والشخصيات والوجوه التي يمنحها المواطن ثقته بحسن نية، بقدر ما يكمن في الآليات والمنهجية التي تُدار بها السياسات العمومية؛ وهي أزمة تتضاعف حدتها بشكل جلي في التدبير الترابي والجماعات الترابية، حيث تظهر الفوارق المجتمعية وتتأخر المشاريع التنموية بشكل متكرر، بما يجعل المخرجات على أرض الواقع دون مستوى التطلعات، بغض النظر عن الجهة أو الوجوه التي تتولى المسؤولية.

كما تساهم هندسة التحالفات الحكومية والمحلية المعقدة والاضطرارية بشكل مباشر في تمييع وإضعاف البرامج الحزبية الفائزة، عبر إجبارها على تقديم تنازلات جوهرية تفقدها هويتها السياسية، وقد يترتب على ذلك فقدان البرامج والوعود الانتخابية من مضمونها عند مرحلة تشكيل الأغلبيات، وهو ما يعيد طرح مسألة المسؤولية عن النتائج ومدى فاعلية آليات المحاسبة بشأنها.

وتتجلى حساسية هذه المسألة عند إثارة المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو الشعار الذي يتردد بكثرة في الفضاء العام؛ إذ يواجه المواطن معضلة عملية تفرغ هذا المفهوم من محتواه، وتتلخص في التساؤل الملحّ حول حدود وسلطة المحاسبة في ظل تداخل أدوار الفاعلين على المستوى الوطني، حين يكون من يشرّعون القوانين ويدبّرون المؤسسات هم أنفسهم المطالبين بالخضوع للمساءلة والمحاسبة، هذه الحلقة المفرغة التي تعيق التغيير الفعلي وتترتب عنها آثار نفسية واجتماعية وخيمة، تتجلى في تنامي مشاعر الإحباط والنفور والاغتراب السياسي، فضلًا عن سيادة حالة من اللامبالاة واليقين بعدم جدوى الصندوق، مما يؤثر سلبًا على رغبة المواطنين، وخاصة فئة الشباب، في المشاركة مستقبلًا، لتتجاوز تداعيات هذا الإشكال بذلك حدود تدبير السياسات العمومية إلى العلاقة نفسها بين المواطن ومؤسساته.

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الفجوة بين منهجية تدبير السياسات العمومية والانتظارات الشعبية يعيد صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسساته في قالب من التوجس الدائم، مما يضع صناع القرار والمنظومة السياسية برمتها أمام حتمية المراجعة الجذرية لأساليب الإدارة والحكامة الترابية والوطنية، قبل أن يؤدي استمرار هذه الاختلالات، وما قد يرافقها من اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسة وضعف الإحساس بفعالية المحاسبة، إلى مزيد من تآكل الثقة في المؤسسات وفي جدوى المشاركة السياسية، بما قد يعمق بدوره مظاهر العزوف الانتخابي ويزيد من تعقيد أزمة التمثيلية السياسية.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق