عاد الماء، نعم، لكنه لم يعد كما نعرفه. عاد بلونٍ لا يشبه الطفولة، ولا يحمل طمأنينة النهر. عاد كأنّه مرآةٌ للخذلان، تعكس وجوهنا المتعبة، وتفضح هشاشة البنية التي نعيش فوقها.
يومٌ كامل من الانقطاع، كأنّ المدينة كانت تصوم عن الحياة، ثم أفطرت على ماءٍ لا يُشرب. ماءٌ بلون الشك، بطعم الغياب، برائحة الإهمال. لا أحد يعتذر، لا أحد يشرح، فقط يُقال لنا: “لقد عادت الخدمة”، وكأنّ العودة وحدها كافيةٌ لتبرير كل شيء.
لكننا لا نطلب العودة، بل نطلب الكرامة. نطلب ماءً لا يختبرنا، لا يسخر منّا، لا يجعلنا نغسل وجوهنا بالخوف. الماء الذي عاد ليس ماءً، بل رسالةٌ مشفّرة من سلطةٍ لا ترى في المواطن سوى رقمٍ في فاتورة.
في هذه المدينة، حتى الماء صار يكتب معنا، يشاركنا الغضب، ويوقّع على نصوصنا بلونه الغريب. فهل نكتفي بالوصف؟ أم نعيد مساءلة كل شيء، من الصنبور إلى من يدير الصنبور؟
محمد فتاح




