الهندسة السياسية للأزمات: من رحبة المواشي إلى صناديق الاقتراع وبيع الوهم

ابراهيم
سياسةقضايا عامة
ابراهيممنذ ساعتينآخر تحديث : منذ ساعتين
الهندسة السياسية للأزمات: من رحبة المواشي إلى صناديق الاقتراع وبيع الوهم

على ظل النازلة التي يعيشها المجتمع المغربي، تبرز المفارقة الصادمة والشرخ العميق في معيش المواطن اليوم؛ حيث يتحول الخطاب السياسي إلى غطاء ينفصل تماماً عن أنين الواقع المعيش، ففي الوقت الذي تصدح فيه قبة البرلمان بشعارات الوفرة وأرقام الدعم الوردية، وتدعي فيه لغة الخشب أن الأضاحي متوفرة بـ “20 ألف ريال”، يصطدم المواطن البسيط في “الرحبة” بحقيقة حارقة تجعل من تلك الوعود مجرد سراب ومسكنات بلا مفعول، فالمأساة الحقيقية التي يعريها الواقع لا تكمن فقط في الغلاء الفاحش، بل في “منطق السَّوْقِ” والتحكم؛ حيث تُمحى كرامة الـ 40 مليون مواطن ليُختزلوا في مجرد أرقام إحصائية أو “قطيع” يُراد منه الصمت والقبول بفتات السياسات الاحتكارية، مستهدفةً بالأساس الفئات الهشة والفقيرة مجردةً إياها من حماية حقيقية تضمن صون شعائرها وكرامتها الإنسانية.

هذا المشهد الحزين لا يعكس فقط أزمة العيد الحالية، بل يكتسي أبعاداً سياسية أكثر عمقاً ودلالة ونحن على قرابة موعد الاستحقاقات البرلمانية المقبلة؛ إذ يفضح هذا المشهد المنطق الذي يربط نخب التكنوقراط وزواج المال بالسلطة بالشارع المغربي، فالأشخاص المقيدون بالحبال والمسوقون بـ “الجملة” يجسدون بدقة كيف تنظر أحزاب الأغلبية الحكومية للمواطنين خلال هذه الفترة الحساسة، حيث لا يُعاملون كشركاء في الوطن، بل كـ “خزان انتخابي” و”كتلة عددية” يُراد حشدها وسوقها نحو صناديق الاقتراع بنفس آليات سوق الأغنام.

وعبر هذا المنطق، تتحول عبارة “جبت ليك ثلاثة بـ 20 ألف” إلى إحالة مباشرة على ظاهرة لغة المال واستغلال النفوذ وشراء الضمائر ببضعة دراهم أو وعود كاذبة في الحملات الانتخابية، ليبيع السماسرة والشناقة السياسيون تلك الأصوات لضمان المقاعد والامتيازات، والمفارقة الصادمة تتجلى دائماً بعد انقضاء هذه الاستحقاقات؛ فبمجرد أن يستوي لوبي زواج المال والسلطة وتحالف الشركات الاحتكارية على كراسي المسؤولية، ينقلب الخطاب ويتحول المواطن من “ناخب محترم” إلى كائن منسي يُطالب بالصمت وتحمل تبعات “تضارب المصالح” وتغول غلاء الأسعار، بل ويواجه بدم بارد بالخطاب البرلماني الحكومي المستفز الذي يزعم أن “الأضاحي بـ 20 ألف”، في انفصال تام عن الواقع، إنها الدورة الكاملة للاستغلال، يُساق المواطن بوعود الاستحقاقات، ويُذبح بغلاء أسعار المحروقات والمعيشة، وتظل الامتيازات حكراً على من يملكون الحبال ويتقنون لغة البيع والشراء والاحتجاز الاقتصادي، وعودهم في واد، وجيب المواطن وحياته الاجتماعية في واد آخر!

فواقع اليوم والواجب الوطني ينتظر من كل مواطن مغربي، وأكثر من أي وقت مضى، أن يتحلى باليقظة والوعي التام بخصوص ما يحوم حوله من رهانات؛ فلا يضع نفسه أمام خيارات تُفرغ مواطنته من محتواها، ويرفض أن يُختزل وجوده وقيمته الإنسانية في مجرد رقم عددي أو صوت عابر في بورصة المزايدات السياسية. إن النضج المجتمعي يفترض إدراك أن المشكل لا ينحصر فقط في تغيير الوجوه والأشخاص أو منح الصوت لمن يرفعون شعارات الأحقية والكفاءة كما يُروّج لها، بل يكمن بالأساس في فك طلاسم تدبير السياسات والقرارات المصيرية التي تُطبخ من وراء الستار وتُوجه المسارات الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يبرز الوعي بضرورة جعل الصوت الانتخابي أمانة للحق والعدالة، كأداة عقلانية لقطع الطريق أمام سماسرة الأزمات، وتحصين المصلحة العامة، وصون كرامة المواطن وهذا الوطن.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق