في قلب الملحقة الإدارية الأولى بخريبكة، تقف “الجوطية” كشاهد على صراع مستمر بين من يسعون لتحقيق النظام عبر العمل الميداني اليومي، ومن يركنون إلى التدخلات المفاجئة التي تُقدَّم كإنجازات. هذا الفضاء الشعبي المتواجد بحي الخوادرية الذي لطالما كان معقلًا للفوضى، لم يولد من فراغ، بل نما وترسخ بمرور السنوات، برضا ضمني من السلطات المتعاقبة، إلى أن جاءت لحظة فارقة شكّلت نقطة تحول واضحة في هذا الواقع.
القائدة هناء بروك، بعيدة عن الأضواء وعن الخطابات الاستعراضية، اختارت طريقًا آخر. طريق الإصلاح بهدوء، عبر عمل دؤوب وقرارات واقعية تم تنفيذها على الأرض. من أكثر من مائة بائع كانوا ينشطون بعين المكان، استطاعت القائدة المُحترمة هناء بروك من تقليص عدد الباعة إلى خمسة فقط، دون ضجيج، ودون أي تدخل بإستعمال القوة وإنما تحقق هذا المُعطی بالحوار والإقناع ، وبالتالي الإرادة الحقيقية والقدرة على التفاوض، الحزم، وشرح الواقع المعقد لهؤلاء الباعة من طرف السيدة القائدة لعب دوراً هاماً في إخلاء مكان(الجوطية)
المفارقة المؤلمة ظهرت بوضوح بعد خروج القائدة في إجازة. تم تجنيد عدد واسع من رجال السلطة، والمشهد يوحي بعملية كبيرة، لكن الهدف كان إزالة خمسة بائعين فقط. الرقم الذي يُظهر بحد ذاته التناقض: كيف يمكن اعتبار هذا تدخلاً استثنائياً بينما الإنجاز الحقيقي سبق أن تحقق بأقل الإمكانيات، دون استنفار ولا شيء من هذا القبيل
هنا يتجلى الفارق بين من ينجز فعلاً وعملاً ميدانياً ومن يكتفي بالحضور لإلتقاط صور جاءت نتيجة آخرين . فالنتائج لا تُقاس بعدد العناصر الأمنية ولا بكاميرات التوثيق، بل بمدى الأثر المتحقق على الأرض، والأثر الأوضح هو تقليص فوضى الجوطية من مئات الباعة إلى حفنة صغيرة، وفق تنظيم لا يمس كرامة البائع ولا يضر بمصالح الساكنة.
والمفارقة الأعمق، أن( الجوطية) التابعة للملحقة الإدارية السادسة، التي لا تبعد سوى بأمتار قليلة عن نظيرتها في المقاطعة الأولى، تعيش اليوم فوضى مضاعفة وغير مسبوقة. احتلال الأرصفة، تراكم النفايات، اختناق مروري دائم، وغياب شبه تام لأي تنظيم فعّال. هذا التناقض الصارخ بين المنطقتين، رغم القرب الجغرافي، يفضح بوضوح حجم التفاوت في مستوى التدبير والتدخل الإداري.
ما وقع سوى محاولة لتأطير مشهد بلا سياق، وإقناع الرأي العام بوجود تحرك فعال، بينما الواقع يقول غير ذلك. الجهد الأكبر والإرث الإداري الحقيقي في هذا الملف يحمل توقيع هناء بروك وحدها، التي أدارت الملف بتوازن نادر بين القانون والبعد الإنساني.
الجوطية اليوم لا تزال في حاجة إلى حلول شاملة ومستدامة، لا ترتكز فقط على الإخلاء المؤقت أو إزاحة الفوضى بصيغة قسرية. الباعة الجائلون ليسوا مجرد مشكل ، بل جزء من نسيج اجتماعي واقتصادي يجب التعامل معه بحكمة وتبصر والتفكير في البديل بتجميعهم في سوق نموذجي منظم، يحفظ ويصون كرامتهم كمواطنين .
وحدها القائدة بروك أثبتت أن الإدارة عندما تُمارَس بنزاهة وإصرار، يمكن أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا. وأن البطولات لا تُعلن في البلاغات، بل تُكتب على أرض الواقع ، بالصبر والتدرج، وبالجرأة التي لا تبحث عن التصفيق، بل عن الأثر.
خريبكة: تدخل السلطات من أجل إخلاء الباعة من جوطية بحي الخوادرية يُثير عدة تساؤلات..؟

رابط مختصر



