مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، يعود الجدل نفسه إلى الواجهة، لكن هذه السنة بحدة أكبر؛ فبين مواطن يشتكي من ارتفاع أسعار الأضاحي وتراجع القدرة الشرائية، وكساب يواجه ظروفاً صعبة وتكاليف إنتاج متزايدة، يبقى السؤال مطروحاً: من المسؤول عن هذا الوضع؟ وهل يكفي إصدار قرارات وتنظيمات ظرفية لمعالجة أزمة تتكرر عاماً بعد عام؟
لا يختلف اثنان على أن توالي سنوات الجفاف المتعاقبة ألقى بظلاله الثقيلة على القطاع الفلاحي وتربية الماشية، حيث وجد العديد من الكسابة أنفسهم في مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي صعب، عنوانه الأبرز ارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع المراعي الطبيعية وارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق. وهي ظروف دفعت عدداً من المربين إلى تقليص نشاطهم أو التخلي عنه، في حين وجد آخرون أنفسهم يواصلون العمل بخسائر متكررة على أمل انفراج الأزمة.
وفي الجهة المقابلة، يقف المواطن أمام أسواق الأضاحي بقلق وحيرة، وهو يتابع الارتفاع المتواصل للأسعار، في ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية لا تخفى على أحد. فاقتناء الأضحية بالنسبة لكثير من الأسر أصبح تحدياً حقيقياً، خصوصاً مع تزايد المصاريف اليومية وغلاء المعيشة.
وفي محاولة لتنظيم القطاع، برز القرار الحكومي المتعلق بتقنين وتنظيم عمليات بيع الأضاحي، باعتباره خطوة تهدف – حسب أهدافه المعلنة – إلى الحد من بعض الاختلالات وضبط السوق. غير أن ما يطرح علامات استفهام عديدة هو مدى ترجمة هذا القرار على أرض الواقع، وحجم الإشكالات التي رافقته منذ الإعلان عنه.
فالقرار، حسب متتبعين، جاء بشكل مفاجئ ودون مواكبة ميدانية كافية أو حملات تحسيسية وتواصلية واسعة تشرح تفاصيله للكسابة والمواطنين. إذ إن عدداً من الكسابة، خاصة الصغار منهم، وجدوا أنفسهم أمام إجراءات وقوانين جديدة لا يعرفون تفاصيلها أو كيفية التعامل معها، ما خلق حالة من الارتباك والتخوف لدى فئة ظلت تمارس نشاطها وفق أعراف وتقاليد متوارثة منذ سنوات طويلة.
كما يثار سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ساهم هذا القرار فعلاً في تخفيض الأسعار داخل الأسواق؟ وهل لمس المواطن أثراً مباشراً له على أرض الواقع؟ أم أن الأسعار ظلت خاضعة لمنطق العرض والطلب والظروف الاقتصادية نفسها؟
وفي سياق متصل، يرى متابعون أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر فقط في فترة عيد الأضحى، بل يتجاوزها إلى التساؤل حول إمكانية تعميم مثل هذه الآليات الرقابية والتنظيمية على قطاعات أخرى تستنزف جيب المواطن طيلة السنة، وليس خلال مناسبة موسمية فقط.
ومن جهة أخرى، يغفل كثيرون واقعاً معروفاً داخل الأسواق، يتمثل في أن عدداً من الكسابة اعتادوا منذ سنوات بيع مواشيهم دفعة واحدة إلى السماسرة أو ما يعرف بـ”الشناقة”، ليس بالضرورة رغبة منهم في ذلك، وإنما بسبب غياب الإمكانيات أو القدرة على التنقل والبقاء لفترات طويلة داخل الأسواق الأسبوعية، خاصة بالنسبة للكسابة الصغار الذين يتحملون أعباء إضافية مرتبطة بالنقل والإقامة والمصاريف اليومية. وهو واقع ظل قائماً طوال السنة وليس وليد اليوم.
وفي مشهد آخر بات يفرض نفسه داخل الأسواق الأسبوعية، تحولت هذه الفضاءات في بعض الأحيان إلى قبلة لأصحاب مواقع التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى، حيث أصبحت الكاميرات والهواتف تلاحق تفاصيل السوق والكسابة والمواطنين دون سابق استئذان في كثير من الحالات. وهو واقع يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية حول احترام الخصوصية، ومدى توفر بعض هؤلاء على التراخيص القانونية اللازمة للتصوير، خاصة عندما يتعلق الأمر بتصوير أشخاص ونشر صورهم ومقاطعهم على نطاق واسع.
وبين المواطن الباحث عن أضحية بثمن مناسب، والكساب الباحث عن هامش ربح يحفظ كرامته، والقرارات التنظيمية التي ما زالت تثير الكثير من الجدل، يبقى عيد الأضحى مناسبة تكشف كل سنة عن اختلالات عميقة تحتاج إلى معالجة جذرية تتجاوز الحلول الظرفية، نحو رؤية متكاملة توازن بين حماية المستهلك وضمان حقوق المنتج، بعيداً عن أي مقاربة موسمية مؤقتة.
متابعة : محمد المداني




