
ليس هذا الكتاب مجرد إضافة إلى رفوف المعرفة الاقتصادية، بل هو محاولة للتفكير في المال حين يستعيد بُعده الإنساني.
ففي إصدار حديث عن مجموعة كلتورا الدولية للنشر والتوزيع، يقدّم الدكتور محمد الحليمي عمله الجديد الموسوم بـ «التأمين التكافلي في المغرب»، بوصفه تأمّلًا عميقًا في أحد أكثر نماذج المالية التشاركية إثارة للأسئلة و الرهانات.
ينطلق المؤلف من فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: الخطر لا يُواجَه فرادى، بل يُتقاسَم. و من هذا المبدأ الأخلاقي، تتشكّل فلسفة التأمين التكافلي، حيث يتحوّل الخوف من المجهول إلى مسؤولية جماعية، و يتراجع منطق الربح الخالص لصالح منطق التضامن.
يتتبّع الكتاب المسار الطويل للتأمين التكافلي، من جذوره الفكرية القائمة على التعاون و تقاسم الأعباء، إلى لحظة إدماجه داخل المنظومة القانونية المغربية بعد سنوات من التردّد و الجدل التشريعي.
و يولي المؤلف عناية خاصة للتجربة المغربية، باعتبارها تجربة وُلدت في سوق تأميني قوي ومعقّد، ما جعلها اختبارًا حقيقيًا لإمكان التوفيق بين القيم التضامنية و متطلبات الواقع الاقتصادي.
و لا يكتفي العمل بالتنظير، بل ينزل إلى أرض الممارسة، شارحًا بلغة واضحة قضايا العقود، وطرق احتساب الاشتراكات، و تدبير المخاطر، وتوزيع الفائض، و حدود الرقابة على الشركة المسيرة.
و هنا تتجلّى قيمة الكتاب في قدرته على مخاطبة المتخصص دون إقصاء القارئ العادي، وعلى الجمع بين الدقة العلمية و الوضوح المعرفي.
و في خلاصته، يقدّم الكتاب التأمين التكافلي لا كبديل تقني فحسب، بل كنموذج فكري و أخلاقي، يعيد طرح سؤال قديم في ثوب معاصر: هل يمكن للاقتصاد أن يكون عادلاً دون أن يفقد فعاليته؟
سؤال يضع التأمين التكافلي في قلب النقاش حول مستقبل المالية بالمغرب، لا كخيار هامشي، بل كإمكان واعد لإعادة التوازن بين الربح و المسؤولية، و بين الفرد و الجماعة.

