لم يكن يتصور أحد من ساكنة حي السعادة بمدينة الجديدة أن ابن الحي، الشاب الطموح الذي كان يحلم بغد أفضل وراء البحر، سيعود إليهم يوما ملفوفا في الكفن، بعد رحلة محفوفة بالمخاطر بدأت من الفنيدق ومرت عبر سبتة لتصل إلى إسبانيا، قبل أن تنتهي بخبر وفاته وعودته جثة إلى أرض الوطن.
البداية: من الفنيدق إلى سبتة سباحة
بحسب رواية مقربين، شد الشاب رحاله من الجديدة نحو مدينة الفنيدق عبر الحافلة وهناك قرر أن يخوض مغامرة خطيرة عبر البحر. في ليلة مظلمة وباردة، ألقى بنفسه في المياه العميقة، وسبح مع مجموعة من الشباب نحو سبتة المحتلة. كانت رحلة أشبه بصراع مع الموت، لكن الأمل في الوصول كان أقوى. وقد نجح بالفعل في بلوغ الضفة الأخرى، ومنها واصل رحلته نحو إسبانيا، حيث بدأ في رسم ملامح حلمه.
طوال الشهور الأولى من وجوده في إسبانيا، ظل الشاب في تواصل دائم مع والديه في الجديدة. كان يتصل بهم بشكل شبه يومي، مطمئنا إياهم أنه بخير وأن المستقبل سيحمل لهم أخبارا سعيدة. تقول والدته والدموع تملأ عينيها:
كنت أعيش فقط على صوته… كل مكالمة كانت ترد لي الروح. لم أتوقع أن تكون آخر مرة أسمع فيها صوته هي الوداع.
أما والده فبصوت مبحوح يضيف:
كان يقول لي: بابا صبر، راه غادي نفرحكم. كنت أصدق لأنني كنت أراه دائما قويا. لكن القدر كان أقوى.
ثم فجأة بعد شهور من المكالمات، انقطع الصوت. الهاتف لم يعد يرن، والأمل بدأ يتلاشى شيئا فشيئا، إلى أن جاء الخبر الفاجع بعد عام كامل: وفاة الشاب في ظروف غامضة.
بعد مساطر إدارية معقدة وانتظار طويل، عاد جثمانه إلى المغرب. في حيه بالجديدة، احتشد العشرات من الجيران والأقارب لاستقبال نعشه. كانت لحظة صادمة، امتزجت فيها الصرخات بالدعاء، فيما الأم لم تقو على الوقوف وهي تردد بحرقة:
عام وأنا كنتسناك ولدي… رجعت ليا غير جثة
قصة هذا الشاب ليست سوى نموذج من العشرات القصص التي تشهدها مناطق مختلفة من المغرب. شباب في مقتبل العمر يتركون بيوتهم وأسرهم، يركبون البحر أو يتسللون عبر الحدود، مدفوعين برغبة جامحة في تحسين أوضاعهم، غير أن كثيرا منهم يجدون الموت بدل الحياة.
حسب جمعيات ناشطة في مجال الهجرة، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا في محاولات الحريݣ، خاصة من مدن الشمال، حيث يتحول البحر المتوسط إلى مقبرة مفتوحة لأحلام الشباب.
بين الأمل والموت، تبقى قصص الحريݣ شاهدة على واقع اجتماعي صعب، وعلى أحلام شباب اصطدمت بجدار الواقع القاسي. أما في الجديدة، فسيظل بيت هذه العائلة الدكالية شاهدا على مأساة ابنهم، الذي غادرهم مبتسما، وظل يتصل بهم حتى آخر لحظة، قبل أن يعود صامتا إلى مثواه الأخير.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
نجيب عبد المجيد




