في خطوة تشريعية مثيرة للجدل، أقر المغرب مشروع تعديل القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، عبر إدراج المادة 51 المكررة التي تُوسّع نطاق الجرائم الانتخابية لتشمل التضليل الرقمي والتشهير عبر الوسائط الإلكترونية بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، هذا التعديل يُعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة مالية تتراوح بين 50.000 و100.000 درهم، كل من بث أو وزع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو نشر أخبارًا زائفة أو ادعاءات كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، أو التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات، وذلك عبر أي وسيلة رقمية أو منصة إلكترونية.
ورغم أن مكافحة الأخبار الزائفة عن المرشحين تُعد ضرورة لحماية العملية الانتخابية، فإن التعديل الجديد لا يكتفي بذلك، بل احتمال توسعه ليشمل التعبير السياسي الشخصي، مثل انتقاد فشل السياسات العمومية أو الاشارة الى عدم جدوى المشاركة الانتخابية..، ما قد يُهدد الحق الدستوري في التعبير ويُحوّل النقاش الرقمي إلى خطر قانوني، فبدلًا من تعزيز الحوار السياسي، يُخشى أن يُستخدم هذا التعديل لتكميم الأفواه، خاصة حين يُعبّر المواطنون بوجوه مكشوفة عن واقعهم المعاش، ويُشككون في جدوى الانتخابات بسبب غياب ضمانات النزاهة.
هذا التوجه يُثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل حرية التعبير في المغرب، خاصة في ظل غموض المعايير التي تُحدد ما يُعتبر “تشهيرًا” أو “تضليلًا”. فالقانون لا يُميز بوضوح بين الرأي الشخصي والتحريض، بل يعتمد على “القصد الإجرامي” ومدى انتشار المحتوى، ما يُعرّض النقاد والناشطين والاعلاميين لخطر الملاحقة، ويُعيد إلى الأذهان تجارب سابقة مثل مشروع القانون 22.20 لسنة 2020، الذي واجه انتقادات واسعة من منظمات حقوقية بينها هيومن رايتس ووتش، بسبب تهديده لحرية التعبير واستخدامه لإسكات المعارضة.
اللافت أن الأفعال التي يُعاقب عليها التعديل، مثل التشهير أو المساس بالحياة الخاصة، تُعد أصلًا من الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي وقانون الصحافة، ما يُثير تساؤلات حول جدوى إدراجها مجددًا في القانون التنظيمي للانتخابات، أما الإشارة مثل “التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات” فهي الأكثر إثارة للقلق، إذ لم تُحدّد بشكل دقيق، ما يجعلها قابلة للتأويل الواسع ويُهدد بتحويل أي تعبير عن عدم الثقة في العملية الانتخابية او في كيف تدبر السياسات العامة إلى مخالفة قانونية، حتى لو كان ذلك في سياق نقد سياسي مشروع.
في ظل تراجع نسب المشاركة في الانتخابات، يبدو أن التعديل يُحمِّل المواطن مسؤولية عزوفه، بدلًا من معالجة الأسباب البنيوية التي تدفعه إلى ذلك، مثل ضعف السياسات العمومية وغياب الثقة في المؤسسات، فبدلًا من فتح المجال لنقاش حر حول أسباب هذا العزوف، يُخشى أن يُجرّم التعبير عنه، ويُصنَّف كتشكيك في “صدقية ونزاهة الانتخابات”، ما يُفاقم أزمة الثقة ويُحوّل المواطن من فاعل سياسي إلى متهم محتمل.
إن التوازن بين حماية العملية الانتخابية وضمان الحريات الفردية يظل هشًّا ويستدعي مراجعة دقيقة للتشريعات بما يضمن حرية التعبير دون أن يُفتح الباب أمام التضليل أو التحريض، فالديمقراطية لا تُبنى على الصمت بل على النقاش الحر والمشاركة الواعية، ولا يمكن أن تزدهر في بيئة يُنظر فيها إلى النقد على أنه تهديد لا مساهمة في الإصلاح.
المصطفى اخنيفس




