
مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي واحتدام الاستعدادات للامتحانات الإشهادية، يعود إلى الواجهة نقاش قديم جديد حول بعض الإجراءات التي تعتمدها المؤسسات التعليمية، وعلى رأسها “التزام” يُفرض على التلاميذ وأوليائهم للتوقيع والمصادقة، يتضمن تعهّدًا بعدم إدخال أي وسيلة إلكترونية إلى قاعات الامتحان، وبين من يراه إجراءً وقائيًا مشروعًا، ومن يعتبره تجاوزًا غير مؤسس قانونيًا، يطفو السؤال الجوهري: هل نحن أمام آلية تربوية للتحسيس، أم أمام انزلاق نحو فرض التزامات خارج إطار القانون؟
في هذا الإطار لا يختلف اثنان حول مشروعية محاربة الغش خصوصًا بعد دخول القانون المتعلق بزجر الغش في الامتحانات حيز التنفيذ سنة 2016، والذي وضع قواعد واضحة وصارمة تجرّم حيازة أو استعمال الوسائل الإلكترونية داخل قاعات الامتحان، كما أن المذكرات التنظيمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لا تترك مجالًا للبس في هذا الباب، إذ تحدد بدقة الممنوعات والعقوبات المترتبة عنها، وبالتالي فإن منع إدخال الهاتف أو أي جهاز إلكتروني ليس محل نقاش بل هو قاعدة قانونية قائمة بذاتها.
غير أن الإشكال لا يكمن في مضمون القاعدة، بل في الوسيلة المعتمدة لفرضها، فإلزام التلميذ وولي أمره بالتوقيع على “التزام” جاهز دون إمكانية تعديله أو مناقشة مضمونه، يطرح أكثر من علامة استفهام، أولها أن هذا الالتزام لا يُنشئ في الواقع أي قاعدة قانونية جديدة، ولا يمكنه أن يضيف إلى ما هو منصوص عليه في القانون، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار هذه الوثيقة أقرب إلى أداة إدارية للتحسيس والإشعار، لا إلى عقد ملزم بالمعنى القانوني.
كما يبرز إشكال تحميل ولي الأمر مسؤولية فعل مادي يقع داخل فضاء الامتحان حيث يكون التلميذ تحت إشراف الإدارة التربوية، فهل يعقل قانونًا أن يُلزم الأب أو النائب الشرعي بضمان عدم إدخال هاتف إلى القاعة، في حين أن المراقبة الفعلية تتم داخل المؤسسة؟ وهذا ما يطرح تساؤلات حول حدود الالتزام وطبيعته القانونية ويجعله اقرب الى مجرد صيغة أخلاقية أكثر منها التزامًا قابلاً للترتيب القانوني.
ومن زاوية أخرى، ترد في هذه النماذج عبارات متكررة، من قبيل منح الإدارة “كامل الصلاحية” لاتخاذ ما تراه مناسبًا، والحال أن الإدارة في دولة الحق والقانون تظل صلاحياتها مؤطرة بالنصوص التشريعية والتنظيمية ولا يمكن أن تتجاوز ما هو محدد قانونًا بغض النظر عن وجود توقيع من عدمه.
والأكثر إثارة هو البعد الإلزامي الذي يُضفى عمليًا على هذه الالتزامات، حيث يُفهم أحيانًا أن عدم التوقيع قد يحول دون اجتياز الامتحان وهو ما يثير نقاشًا قانونيًا حول مدى مشروعية هذا الربط، لأن الحق في اجتياز الامتحان مرتبط بالتسجيل واستيفاء الشروط القانونية، وليس بالتوقيع على وثيقة إضافية ذات طابع إداري، فربط هذا الحق بإجراء غير منصوص عليه قانونا يفتح الباب أمام ممارسات قد تمس بمبدأ تكافؤ الفرص، بل وقد تُصنّف ضمن التعسف الإداري إن تم تفعيلها.
وفي مقابل ذلك لا يمكن إغفال أن خلف هذه الإجراءات هاجسًا حقيقيًا لدى الإدارة التربوية يتمثل في التصدي لظاهرة الغش التي استفحلت مع تطور الوسائل التكنولوجية، غير أن معالجة هذا الإشكال لا ينبغي أن تتم عبر توسيع دائرة الالتزامات الشكلية بقدر ما تتطلب تعزيز الثقة داخل المنظومة التربوية وتكثيف الحملات التحسيسية وتجويد آليات المراقبة داخل مراكز الامتحان.
في المحصلة يبدو أن “الالتزام” المفروض على التلاميذ وأوليائهم يقف في منطقة رمادية بين ما هو تربوي وما هو قانوني، فهو من جهة يعكس رغبة مشروعة في تأطير الامتحانات وضمان نزاهتها، لكنه من جهة أخرى يطرح تساؤلات حقيقية حول مشروعيته حين يتحول من وسيلة توعوية إلى شرط شبه إلزامي، وبين هذا وذاك يبقى الرهان الأكبر هو احترام القانون في شكله ومضمونه دون تحميل المواطن تلميذًا كان أو وليًا ما لا يلزمه به النص، ودون إفراغ المدرسة من دورها التربوي لصالح مقاربات إدارية صرفة.
المصطفى اخنيفس

