لم يعد المشهد استثنائياً، ولم تعد الصدمة كما كانت. فكلما ظن سكان السمارة أن مسلسل المآسي قد توقف، تعود رائحة الموت لتشق الصمت من جديد، معلنة العثور على جثة أخرى داخل منزل مغلق، في صورة تختزل حجم العزلة الاجتماعية التي باتت تنخر جسد المدينة.
ففي حي الحسني، وتحديداً بزنقة تاونات، عاش السكان ساعات ثقيلة بعدما انبعثت رائحة كريهة من أحد المنازل، ما دفع الجيران إلى إشعار السلطات المختصة. وعند التدخل، كانت الحقيقة أكثر إيلاماً؛ رجل مسن فارق الحياة داخل منزله، ولم يُكتشف أمره إلا بعد مرور وقت على وفاته.
وتفيد المعطيات الأولية بأن الهالك كان يعاني ظروفاً صحية خاصة، فيما كانت أسرته خارج المدينة لقضاء العطلة الصيفية. وبمجرد إشعارها، انتقلت السلطات المحلية وعناصر الأمن الوطني إلى المكان، حيث باشرت المعاينات القانونية، فيما أمرت النيابة العامة المختصة بفتح تحقيق ونقل الجثمان إلى مستودع الأموات لإخضاعه للتشريح الطبي قصد تحديد السبب الحقيقي للوفاة.
غير أن هذه الواقعة تتجاوز حدود خبر جنائي عابر، لأنها تعيد إلى الواجهة سؤالاً مؤلماً: لماذا تتكرر مشاهد العثور على جثث متحللة داخل منازل بمدينة السمارة؟ وهل أصبحت المدينة تعاني أزمة صامتة عنوانها العزلة والإهمال الاجتماعي؟
إن أكثر ما يوجع في هذه الحوادث ليس الموت نفسه، بل أن يرحل إنسان بصمت، وأن يبقى أياماً أو أكثر بعيداً عن أعين الناس، فلا يفتقده أحد، ولا يُطرق بابه، ولا يُعرف مصيره إلا عندما تتحول رائحة الجثمان إلى نداء استغاثة أخير.
إنها ناقوس خطر يدعو إلى مراجعة حقيقية لدور الأسرة، والجوار، والجمعيات، والمؤسسات الاجتماعية، في تتبع أوضاع كبار السن والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، حتى لا تتحول منازلهم إلى أماكن تُكتشف فيها المأساة بعد فوات الأوان.
ويبقى التحقيق القضائي وحده الكفيل بكشف ملابسات هذه الوفاة، لكن ما لا يحتاج إلى تحقيق هو أن تكرار مثل هذه الوقائع يستوجب وقفة مسؤولة، لأن المدن لا تُقاس فقط بما يُشيَّد فيها من بنايات، بل أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان من أن يموت وحيداً ..ثم لا يُكتشف إلا عندما تتكلم رائحة الموت.
سيداتي بيدا




