الشيخة بين التراث والتهميش وضغط الواقع الاجتماعي المركّب

ابراهيم
ثقافةقضايا عامةمجتمع
ابراهيممنذ 5 ساعاتآخر تحديث : منذ 5 ساعات
الشيخة بين التراث والتهميش وضغط الواقع الاجتماعي المركّب
الشيخة بين التراث والتهميش وضغط الواقع الاجتماعي المركّب

مع اقتراب فصل الصيف، الذي يُعرف بموسم المهرجانات والأعراس وتزايد السهرات الفنية، يعود إلى الواجهة حضور فئة الشيخات بشكل لافت، ليس فقط كعنصر من عناصر الفرجة، بل كواقع اجتماعي يستحق التوقف عنده، خاصة في سياق تفاعل متزايد مع قضايا اجتماعية تُطرح عبر الفضاء الرقمي، حيث تبرز الحاجة إلى التوقف عند بعض الفئات التي تعيش على هامش الاهتمام، رغم حضورها القوي في تفاصيل الحياة اليومية.

ويأتي هذا الطرح على خلفية نقاش أثاره أحد المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، للفاعل الجمعوي والمهتم بقضايا الثقافة الأمازيغية محمد بوسعيدي، والذي أعاد تسليط الضوء على واقع معقد تعيشه فئة شيخات المغرب، بين نظرة المجتمع المتباينة وضغط الظروف المعيشية، ومن هنا تنبع محاولة قراءة هذا الواقع بعيون تتجاوز الأحكام الجاهزة نحو فهم أعمق لما يختبئ خلف مشاهد الفرح الظاهر.

في مشهد يتكرر في الأعراس والمهرجانات تصطف فرق الشيخات في تناغم ظاهري يرددن مقاطع فنية على إيقاع موسيقي متصاعد، تتمايل معه الأجساد وتتناغم معه الحلي والخلاخل في لوحة سمعية وبصرية تستهدف إمتاع الحضور، غير أن هذا المشهد الذي يبدو للبعض احتفاءً بالفرح والتراث يخفي وراءه طبقات أعمق من المعاناة الإنسانية والتناقضات الاجتماعية.

فعند التمعن في وجوه هؤلاء النساء، تَتَكَشَّفُ ملامح أخرى لا تلتقطها عدسات الفرح او الكاميرات، عيون مثقلة بالحزن رغم ما يحيط بها من زينة، ونظرات تختزل قصصًا من الألم والصراع اليومي، نساء وجدن أنفسهن في هذا المجال بدوافع مختلفة، لكنهن يتقاسمن في الغالب قسوة البداية وثقل الاستمرار، خلف الابتسامات المصطنعة وحركات الرقص المتقنة تختبئ هواجس الحياة: إعالة أطفال، مواجهة تبعات طلاق، أو تحمل مسؤولية أسر بأكملها.

هذا الواقع يعكس جانبًا من الهشاشة الاجتماعية التي تدفع بهؤلاء النسوة إلى امتهان الرقص ليس كخيار ترفيهي بل كوسيلة للبقاء، فبين السهرات الطويلة والإرهاق الجسدي يتآكل رصيد الجمال والصحة في مقابل دخل غير مستقر غالبًا ما يخضع لاعتبارات غير عادلة داخل الفرق نفسها.

وهنا تبرز مفارقة لافتة حين تُقارن هذه الفئة بنماذج أخرى من الفنانات او الراقصات اللواتي يحظين برعاية واهتمام أكبر وظروف عمل أكثر احترامًا، بل ويُستقبلن أحيانًا بهالة من التقدير والترف، في مقابل واقع تعيش فيه الشيخة الأمازيغية هامشًا مضاعفًا من التهميش رغم اشتراك الجميع في الفعل الفني ذاته.

المفارقة تتجلى أيضًا في نظرة المجتمع المتباينة، فبينما يوجه البعض اتهامات قاسية تصل إلى حد الوصم الأخلاقي، يذهب آخرون إلى اعتبار الشيخات جزءًا من الموروث الثقافي والفني، بل وامتدادًا لإبداع تقليدي ضارب في التاريخ، وبين هذين الموقفين تبقى المعنية الأولى أسيرة نظرة مزدوجة: تُدان في العلن ويُقبل عليها في الخفاء.

كما تكشف بعض الممارسات الميدانية عن مظاهر تمييز وإهانة سواء في ظروف العمل أو في التعامل داخل الفضاءات الفنية، حيث تُختزل أحيانًا في أدوار هامشية رغم مساهمتها الأساسية في إنجاح السهرات، هذا التفاوت يعكس خللًا أعمق في تقدير القيمة الإنسانية والمهنية لهذه الفئة.

في النهاية يطرح هذا الواقع أسئلة ملحة حول موقع الشيخات في المجتمع: هل هن فنانات يؤدين دورًا ثقافيًا، أم ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية؟ أم أنهن يجسدن معًا هذين البعدين في آن واحد؟ بين الإبداع وضغط العيش تبقى الحقيقة أكثر تعقيدًا من الأحكام الجاهزة، وتستدعي قراءة إنسانية تنصف المرأة قبل الدور الذي تؤديه.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق