من ‘مغرب أونا’ إلى ‘حكومة أكوا’.. هل تصحح الانتخابات القادمة مسار ‘الدولة الاجتماعية’؟

ابراهيم
سياسةقضايا عامةمال و أعمال
ابراهيممنذ ساعتينآخر تحديث : منذ ساعتين
من ‘مغرب أونا’ إلى ‘حكومة أكوا’.. هل تصحح الانتخابات القادمة مسار ‘الدولة الاجتماعية’؟

مع اقتراب المحطات الاستحقاقية المقبلة، وفي وقت بدأت فيه الماكينات الحزبية تسابق الزمن لترتيب بيتها الداخلي ورسم ملامح تحالفاتها القادمة، يبدو الشارع المغربي أكثر وعياً وتوجساً من أي وقت مضى بشأن طبيعة النخبة التي ستقود المرحلة، فالنقاش الراهن لم يعد يقتصر على برامج انتخابية جافة تعد بالرفاه، بل بات يغوص في عمق البنية السياسية والمجتمعية التي أفرزت نمطاً جديداً من التدبير، نمطاً يعيد طرح الأسئلة الحارقة حول المسافة الفاصلة بين سلطة المال ومراكز القرار التنفيذي، ومن هنا يصبح تفكيك المسار الممتد من زمن مغرب أونا إلى عهد حكومة أكوا ضرورة ملحة، ليس من باب الترف الفكري أو سرد قصة من الماضي، بل لفهم كيف تحولت الأحزاب الشركات إلى كارتلات تحتكر التزكيات والمناصب، تاركة المواطن البسيط يواجه وحيداً في أسفل الهرم مخلفات قرارات ليبرالية باردة.

حين تدير الشركات شؤون الوطن، لم تكن في تاريخ المغرب الحديث مجرد أرقام في سجلات البورصة، بل كانت في كثير من الاحيان المفتاح السري لفهم فلسفة الحكم وهندسة توزيع الثروة، حيث قديماً صاغ الشارع والخطاب النقدي المعارض عبارة “مغرب أونا” لتلخيص مرحلة الهيمنة الاقتصادية التي امتدت لعقود، واليوم يتداول المغاربة بمرارة تعبير “حكومة أكوا” لوصف المشهد السياسي المعاصر، ليرسم بين العبارتين خيط ناظم يروي قصة تحول دراماتيكي في تدبير السياسات العمومية، حيث لم يعد رجال الأعمال يكتفون بالبقاء خلف ستائر الاقتصاد، بل صعدوا مباشرة إلى واجهة السلطة التنفيذية ليقودوا البلاد بعقلية المقاولة التي تبحث عن الربح قبل أي شيء آخر.

وفي تسعينيات القرن الماضي، بلغت ثنائية الثروة والسياسة ذروتها مع تمدد مجموعة “أومنيوم شمال إفريقيا” (ONA)، التي أصبحت قسماً مشتركاً في طعام المغاربة وزيتهم ومناجمهم، وهو ما انتقده السرد السياسي الساخر آنذاك، لكن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم هو أن نخبة “أونا” كانت تمارس النفوذ من خلف الأبواب المغلقة، بينما تمثل الدينامية الحالية ذروة زواج المال بالسلطة بشكل علني ومباشر.

إن جلوس كبار الفاعلين الاقتصاديين في قطاع المحروقات والطاقة، أو غيرهم من أصحاب الرساميل والشركات الاحتكارية، على كراسي رئاسة الحكومة والمسؤوليات التنفيذية الكبرى، قد ساهم في ضبابية الحدود الفاصلة بين المصلحة العامة للمواطنين والمصالح التجارية الضيقة، ولم يعد الأمر مقتصراً على قطب واحد بل تحول إلى عقيدة عامة تتقاسمها معظم الأحزاب السياسية التي باتت تدار بقبضة من حديد من طرف أمناء عامين يمثلون كارتلات المال والنفوذ؛ أولغارشية حزبية حوّلت الهياكل السياسية إلى إقطاعيات خاصة ومشاريع إرثية تُورّث فيها المناصب والولاءات، مما حوّل النقد الشعبي من لوم الحيتان الكبيرة المضاربين والسماسرية في السوق إلى مواجهة منظومة الحكومة الشركة برمتها.

ولم يكن هذا التحول الاقتصادي لينجح لولا التغيير البنيوي الذي طال العقيدة الحزبية في البلاد؛ فبعد أن كان المشهد السياسي قديماً يُدار من قِبل زعماء كاريزماتيين يحملون مشاريع مجتمعية وإيديولوجية، شهدت الساحة تجريفاً ممنهجاً صعد بموجبه بارونات الانتخابات وأمناء أحزاب تكنوقراط تحولوا إلى ما يشبه “الكارتلات” الحزبية.

وهؤلاء احتكروا التزكيات ومناصب القرار ووزعوا الغنائم الحكومية والبرلمانية في أعلى الهرم على ذوي النفوذ والولاءات، مستخدمين القواعد الحزبية والمواطنين البسطاء مجرد “طعم” ووقود انتخابي يتم استغلال أصواتهم بشعارات براقة، لينتهي بهم المطاف منسيين في أسفل الهرم الاجتماعي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

هذا التحول البنيوي ألقى بظلاله القاتمة على فلسفة السياسات العمومية في البلاد، حيث طغت لغة الأرقام والمؤشرات الماكرو-اقتصادية الجافة على حساب البعد الإنساني للتنمية، ففي الوقت الذي تتغنى فيه التقارير الرسمية بنسب النمو واستقطاب الاستثمارات الخارجية، يعيش الواقع المعيشي أزمة خانقة جراء الخصخصة المقنعة للخدمات الأساسية، خصوصاً مع امتلاء الحقائب الوزارية ببروفايلات تكنوقراطية قادمة من مكاتب الدراسات الدولية، مما جعل القرارات تصدر بروح رأسمالية باردة تفتقر للحس الاجتماعي، وظهر ذلك جلياً في التراجع المستمر لجودة المرفق العمومي في التعليم والصحة لصالح قطاع خاص يتغذى على حساب جيوب الفئات الهشة والمستنزفة.

ويتجلى هذا النهج الليبرالي الصرف بوضوح في واقع الحال المغربي اليوم، وتحديداً في ملف المحروقات الذي يمثل قلب هذه المعادلة السياسية، فرغم كل الصرخات الشعبية والتقارير الرقابية التي وثقت وتوثق هوامش الربح الفاحشة للشركات بعد التحرير، تستمر الحكومة في رفض أي خطوة حقيقية لتسقيف الأسعار أو إحياء مصفاة “لاسامير”، وهو إصرار لا يفسره الشارع المغربي إلا بوجود حالة “تضارب مصالح” بنيوية؛ إذ كيف لمن يبيع الغاز والوقود للمواطنين أن يصدر قوانين تدعم جيب المستهلك على حساب أرباح شركاته الخاصة؟ إنه انتصار صريح لمنطق السوق على حساب مفهوم الدولة الحامية، وهذا الملف يبقى مجرد مثال بارز من واقع معاش.

وعلى المستوى الاجتماعي، أفرزت هذه السياسات واقعاً مأزوماً يتسم باتساع مهول للهوة الطبقية وتآكل حاد للطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان للاستقرار المجتمعي، لا سيما ان موجات الغلاء غير المسبوقة التي ضربت المواد الاستهلاكية الأساسية واللحوم والخضار، حولت قفة المواطن اليومية إلى عبء ثقيل وكابوس مؤرق، علماً أن هذا الاحتقان لم يعد مجرد نقاشات في الفضاء الأزرق، بل تحول إلى احتجاجات فئوية متواصلة وإضرابات أثرت على السير العادي لقطاعات حيوية، مما يعكس نفاد ثقة المواطن في وعود “الدولة الاجتماعية” التي رُفعت كشعار انتخابي براق وتبخرت على أرض الواقع أمام برامج دعم مباشر مشروط يرى الكثير من الخبراء أنها غير كافية لمواجهة موجة الغلاء الحالية.

في المحصلة، إن الانتقال من زمن “مغرب أونا” إلى عهد “حكومة أكوا” ليس مجرد تغيير في الأسماء والتسميات التجارية، بل هو تحول مخيف نحو حصر القرار الوطني في زاوية الرؤية المقاولاتية، فاستقرار المغرب اليوم وأمنه المجتمعي لا يمكن أن تديره عقلية “الربح والخسارة” الخاصة بمجالس إدارة الشركات، بل تحميه قيم العدالة الاجتماعية الحقيقية، وتكافؤ الفرص، وفصل سلطة المال بشكل قاطع عن مراكز القرار السياسي، وبدون مراجعة جذرية لهذا المسار سيبقى الشارع يطرح السؤال الاستنكاري القديم المتجدد: “خيرنا فيناهو؟” في وطن يبدو أن خيراته تسير في اتجاه واحد نحو جيوب القلة المحظوظة.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق