في اجتماع هيئة رئاسة الأغلبية الحكومية يوم 30 شتنبر 2025، خرجت التصريحات الرسمية محمّلة بوعود الإصلاح والانفتاح على مطالب المواطنين، خاصة في ما يتعلق بالمنظومتين الصحية والتعليمية، وبالتأكيد على استعداد الحكومة للحوار مع الشباب المحتج، غير أن هذا الخطاب وإن بدا متفائلًا في صيغته، يفتقر إلى ما يربطه بالواقع الملموس، ويعكس انفصالًا صارخًا بين ما يُقال في القاعات المغلقة وما يُعاش في الشارع المفتوح.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن “الاستجابة للمطالب الاجتماعية”، كانت الوقفات السلمية تلا تزال تقابل بتدخلات أمنية عنيفة، كما حدث في عدد من المدن، حيث تحوّلت المطالب المشروعة إلى مشاهد مؤلمة من الاعتقالات والصراخ، كيف يمكن لحكومة أن تدّعي الانفتاح على الحوار، بينما أدواتها الميدانية تُمارس الردع بدلًا من الإصغاء؟ هذا التناقض يُضعف الثقة ويُعمّق الهوة بين المواطن والمؤسسات.
أما على مستوى السياسات العمومية، فالوعد بإحداث “المجموعات الصحية الترابية” وزيادة عدد المهنيين يبدو جميلًا على الورق، لكنه يصطدم بواقع المستشفيات التي تفتقر لأبسط التجهيزات، وبمواطنين ينتظرون لساعات من أجل فحص بسيط، إن لم يُطلب منهم التوجه إلى القطاع الخاص الذي لا يرحم جيوبهم، وفي التعليم، لا تزال الفجوة قائمة بين الشعارات الإصلاحية وبين واقع الاكتظاظ، ضعف البنية التحتية، وتراجع جودة التكوين.
المقلق في خطاب الأغلبية ليس فقط غياب التفاعل الحقيقي مع مطالب الشارع، بل الإصرار على نهجٍ أثبت محدوديته في معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، فبدلًا من أن يكون الاجتماع فرصة لإعادة تقييم السياسات في ضوء الاحتقان الشعبي، تحوّل إلى منصة لتأكيد الاستمرار، وكأن الحكومة ترى في الاحتجاجات مجرد ضجيج عابر لا يستحق التوقف عنده.
هذا التجاهل لا يُقرأ إلا كرسالة سياسية واضحة، أن السلطة لا ترى في المواطن شريكًا، بل متلقيًا صامتًا لقرارات جاهزة، وبينما تتحدث الحكومة عن “الانفتاح على الحوار”، فإن الواقع يُظهر أن الحوار لم يُفتح أصلًا، وأن المطالب لم تُدرج ضمن أولويات المرحلة، بل تم تجاوزها لصالح أجندة مُعدة سلفًا، لا مكان فيها لصوت الشارع.
إنّ الشباب الذين خرجوا للاحتجاج لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بما كفله لهم الدستور، تعليم جيد، صحة متاحة، وكرامة محفوظة، وإذا كانت الحكومة ترى في هذه المطالب “ضغطًا”، فالمشكلة ليست في الشارع، بل في من لا يريد أن يرى فيه شريكًا.
النقد هنا لا يستهدف الأشخاص، بل المنهج، فالحكم لا يُقاس بعدد الاجتماعات بل بمدى قدرة تلك الاجتماعات على إنتاج أثر ملموس في حياة الناس.
وبين خطاب الأغلبية وصرخة المواطن، هناك مسافة لا تُردم بالتصريحات، بل بالفعل السياسي الصادق، فالوطن لا يُبنى على الإنكار بل على الاعتراف، والمواطن لا يُحتوى بالوعود، بل بالاستجابة الفعلية.
المصطفى اخنيفس




