في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الخدمات العمومية، تنكشف قضايا جديدة تتعلق ببنية الفوترة وتفاصيلها الدقيقة، والتي غالبًا ما تمر دون نقاش علني رغم تأثيرها المباشر على المواطن، من بين هذه القضايا، رسوم تُدرج ضمن الفواتير الشهرية تحت مسميات غير مألوفة، ما يستدعي تسليط الضوء عليها وتوضيح خلفياتها القانونية والعملية، خاصة حين ترتبط بخدمات أساسية كالكهرباء والماء.
وبهدا الخصوص أثارت فواتير الكهرباء الصادرة عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس مؤخرًا انتباه عدد من المواطنين، بعد إدراج بند جديد تحت اسم “كراء العداد” (Location du compteur)، والظاهر على انه سيحتسب شهريًا بشكل ثابت، ما فتح باب التساؤلات حول الأساس القانوني لهذا الرسم، وطبيعة العلاقة بين الزبون والمزود في ظل النظام الجديد.
المثير في الأمر أن هذا النوع من الرسوم لم يكن معمولًا به في السابق ضمن فواتير المكتب الوطني للكهرباء، حيث كان العداد يُقتنى مسبقًا من طرف الزبون عند طلب الربط، ويُعتبر ملكًا له، دون أن تترتب عليه رسوم دورية إضافية، وهو ما يجعل إدراج “كراء العداد” تحولًا في بنية الفوترة، يحتاج إلى توضيح رسمي يزيل اللبس ويحدد الإطار القانوني والتنظيمي لهذا الإجراء.
ويأتي هذا المستجد في سياق التحولات التي عرفها قطاع الماء والكهرباء بالمغرب، بعد إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات، في إطار إصلاحات تهدف إلى تحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطن، غير أن إدراج رسوم غير مألوفة دون إشعار مسبق أو تفسير واضح يطرح إشكالات تتعلق بالشفافية، ويستدعي فتح نقاش عمومي حول العلاقة الجديدة بين المواطن ومؤسسات التدبير المفوض.
في ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تنوير الرأي العام حول طبيعة هذه الرسوم، ومدى ارتباطها بالخدمة الفعلية المقدمة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة التي يعيشها المواطن المغربي، حيث تُصبح التفاصيل المالية الصغيرة ذات أثر كبير على القدرة الشرائية والثقة في المؤسسات.
ويُنتظر من الجهات المسؤولة والمختصة وهيئات التقنين التدخل وإصدار توضيحات رسمية تضع حدًا لهذا الغموض، وتُعيد ترتيب العلاقة بين الخدمة والتكلفة، بما يضمن احترام حقوق الزبناء، ويكرّس مبدأ الشفافية في الفوترة، ويُجنب أي لبس قد يؤثر على صورة الإصلاحات الجارية في قطاع الخدمات العمومية.
إن إثارة الانتباه إلى تفاصيل الفوترة ليس مجرد نقاش تقني، بل هو مدخل ضروري لترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة في تدبير المرافق العمومية، فالمواطن باعتباره الطرف المتلقي للخدمة من حقه أن يفهم طبيعة ما يُقتطع من فاتورته، وأن يطمئن إلى أن كل رسم يخضع لمنطق قانوني واضح ومعلن، ومن هنا تلح الحاجة إلى تواصل مؤسساتي فعّال يواكب هذه التحولات ويضع المواطن في قلب المعادلة التنموية.
المصطفى اخنيفس




