صيف المغرب بين عملية «مرحبا» وعملية «مهربا».. مفارقة تستحق التأمل

ابراهيم
أحداثقضايا عامة
ابراهيممنذ 3 ساعاتآخر تحديث : منذ 3 ساعات
صيف المغرب بين عملية «مرحبا» وعملية «مهربا».. مفارقة تستحق التأمل

في كل مجتمع تكشف بعض الظواهر اليومية ما هو أعمق من صورتها المباشرة، وتطرح أسئلة لا تظهر دائمًا في الخطاب الرسمي أو في الأرقام، والهجرة واحدة من هذه الظواهر؛ فهي قد تكون اختيارًا بحثًا عن الدراسة أو العمل أو تجربة حياة مختلفة، وقد تكون في حالات أخرى تعبيرًا عن شعور بأن المستقبل في المكان الذي يعيش فيه المواطن لم يعد واضحًا بما يكفي.

وفي المغرب، تبدو هذه المسألة أكثر إثارة للتأمل عندما نضع إلى جانب بعضها صورتين متزامنتين، مغاربة يعيشون خارج الوطن ويعودون إليه كل سنة في إطار عملية «مرحبا»، ومغاربة آخرون من فئات عمرية مختلفة، يحاولون مغادرته بطرق غير نظامية؛ بل إن العديد منهم يخاطرون بالوصول إلى مناطق قريبة جدًا من الوطن توجد تحت الإدارة الإسبانية، كما نرى في المشاهد المتكررة للعبور نحو الأراضي المحتلة سبتة ومليلية، وبين الصورتين تظهر مفارقة تستحق أن نتوقف عندها قليلًا.

عملية «مرحبا» في حد ذاتها تعكس علاقة قوية بين المغرب ومواطنيه المقيمين بالخارج، فالوطن يفتح أبوابه أمام أبنائه، ويهيئ لهم ظروف العودة، ويستقبلهم باعتبارهم جزءًا من امتداده الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، وليس في ذلك ما يثير الاستغراب، فالمغاربة المقيمون بالخارج جزء من المجتمع المغربي، والهجرة المغربية لها تاريخ طويل، كما أن العودة خلال فصل الصيف أصبحت موعدًا يحمل الكثير من الدلالات العائلية والوجدانية، لكن الصورة المقابلة تفرض سؤالًا مختلفًا، إذا كان هناك كل هذا الحرص على أن يشعر المغربي المقيم في الخارج بأنه مرحب به عند عودته، فلماذا يبدو بعض الذين يعيشون داخل الوطن مقتنعين بأن مستقبلهم قد يكون في مكان آخر؟ هنا لا تعود المسألة مجرد حركة أشخاص عبر الحدود، وإنما تصبح سؤالًا عن العلاقة بين المواطن ووطنه وعن الصورة التي يحملها كل منهما عن الآخر.

وليس المقصود هنا وضع «مرحبا» والهجرة غير النظامية في مقارنة مباشرة، فهما أمران مختلفان تمامًا، كما أن الهجرة في حد ذاتها ليست مشكلة ولا دليلًا على رفض الوطن، لكن الأمر يصبح مختلفًا عندما تتحول المغادرة بالنسبة إلى بعض الأشخاص من فئات عمرية مختلفة، بما فيها الشباب والقاصرون والبالغون، وصولاً إلى نزيف الأدمغة والكفاءات من أطباء ومهندسين، من رغبة في اكتشاف فرصة إلى محاولة للهروب من واقع يرونه غير قادر على منحهم ما يتطلعون إليه.

وعندما يصل الأمر إلى المخاطرة بالحياة من أجل الوصول إلى مكان آخر، يصبح السؤال أكبر من مجرد احترام القانون أو ضبط الحدود، فمن الطبيعي أن نرفض المخاطرة وأن نتمسك بضرورة احترام القانون، لكن ذلك لا يلغي سؤالًا آخر أكثر عمقًا، ما الذي يجعل بعض أبناء الوطن يرون في المجهول خارج الحدود فرصة تستحق المخاطرة، بينما لا يرون داخل وطنهم مستقبلًا بالوضوح نفسه؟

وتزداد دلالة هذه المفارقة عندما يكون الهدف أحيانًا الوصول إلى مناطق جغرافية قريبة من المغرب، لكنها توجد تحت الإدارة الإسبانية؛ فالمسافة قد تكون قصيرة، لكن الصورة التي يحملها المهاجر عن الحياة في الجهة الأخرى قد تجعل الفارق يبدو شاسعًا، هو لا يرى فقط حدودًا يريد تجاوزها، بل قد يرى وراءها فرصة عمل أو مستوى من الخدمات أو نمطًا من الحياة يعتقد أنه قادر على منحه مستقبلًا أفضل.

ولهذا فإن التعامل مع الظاهرة من زاوية الحدود وحدها قد يعالج نتيجتها ولا يلامس دائمًا أسبابها الأعمق؛ فالأسباب ليست مجهولة ولا تحتاج إلى كثير من التأويل، فهي ترتبط بواقع اقتصادي واجتماعي يعيشه المغاربة، وبمشكلات التعليم والصحة والتشغيل، وبالفوارق الاجتماعية والمجالية، وبأزمة الثقة في الإمكانات المتاحة لبناء مستقبل مستقر بالنسبة إلى فئات واسعة، وهي نتائج لا يمكن فصلها عن السياسات العمومية والاختيارات التي تتحمل الحكومة ومؤسسات الدولة مسؤولية وضعها وتنفيذها وتصحيح اختلالاتها.

ومن هنا ربما يكون السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع الهجرة غير النظامية؟ وإنما أيضًا، كيف نجعل البقاء خيارًا مقنعًا؟ فمراقبة الحدود قد تمنع العبور، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع الرغبة في الرحيل؛ لأن هذه الرغبة تتشكل قبل الوصول إلى الحدود، في واقع يواجه فيه المواطن صعوبات واضحة في التعليم والصحة والعمل وتحسين مستوى المعيشة، وفي ظل تفاوت في الفرص والإمكانات بين الفئات والمجالات.

فإذا كانت الدولة مطالبة بحماية حدودها وتطبيق القانون، فإنها مطالبة كذلك بتحمل مسؤوليتها في معالجة الأسباب التي تدفع بعض أبنائها إلى المخاطرة من أجل مغادرة البلاد، فالمسؤولية لا تقع على المواطن الذي يبحث عن حياة أفضل، وإنما على من يملك القرار والقدرة على تغيير الظروف التي تجعل الخارج يبدو، بالنسبة إلى بعض المواطنين، أكثر جاذبية من الداخل.

وهنا تعود المفارقة بين الكلمتين: «مرحبا» التي تختصر رغبة الوطن في استقبال أبنائه الذين يعيشون خارجه، و«مهربا» التي يمكن أن تختصر، بصورة رمزية، رغبة بعض أبنائه في الداخل في الخروج منه، وبين الكلمتين لا توجد إجابة جاهزة، وإنما سؤال يستحق أن يبقى مفتوحًا: كيف يمكن أن يكون الوطن قادرًا على استقطاب من غادره، وفي الوقت نفسه أكثر قدرة على إقناع من يعيش داخله بأن مستقبله لا يحتاج بالضرورة إلى أن يبدأ من وراء الحدود؟ ربما لا يكون التحدي الحقيقي في منع الناس من الرحيل، وإنما في معالجة الواقع الذي يدفعهم إلى التفكير في الرحيل، وجعل البقاء خيارًا يستحق أن يتمسك به الإنسان.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق