المجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي.. إلى متى سيبقى الدستور في الانتظار؟

ابراهيم
الوطنية•ثقافة
ابراهيممنذ 47 دقيقةآخر تحديث : منذ 47 دقيقة
المجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي.. إلى متى سيبقى الدستور في الانتظار؟
المجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي.. إلى متى سيبقى الدستور في الانتظار؟

هناك أسئلة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الرفوف، و هناك مؤسسات لا ينبغي أن تتحول من مقتضيات دستورية إلى مجرد عناوين في الوثائق الرسمية.

ومن بين هذه الأسئلة اليوم: أين هو المجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي؟

سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يحمل وراءه سنوات من الانتظار و النقاش و التأجيل.

فدستور المملكة لسنة 2011 لم يتحدث عن المجلس باعتباره فكرة عابرة، بل نص عليه صراحة، و ربطه بقضايا الشباب و العمل الجمعوي، و بالمشاركة في الحياة الوطنية و تنمية الطاقات الإبداعية للشباب و ترسيخ روح المواطنة المسؤولة.

و في سنة 2018 صدر القانون رقم 89.15 المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي، محدداً صلاحياته و تركيبته و تنظيمه و قواعد سيره.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، و بكل وضوح:

بعد كل هذه السنوات، لماذا لا يزال هذا المجلس خارج المشهد المؤسساتي؟ هل يكفي أن ينص الدستور؟

نحن كفاعلين جمعويين لا نريد أن نبقى أسرى لغة النصوص.

لا نريد أن نقول فقط إن الفصل 170 تحدث عن المجلس، أو إن الفصل 33 دعا إلى توسيع مشاركة الشباب، ثم نغلق الكتاب و ننتقل إلى ملف آخر.

السؤال الحقيقي هو:

متى يتحول النص الدستوري إلى مؤسسة؟ و متى يتحول الحديث عن مشاركة الشباب إلى مشاركة فعلية؟
و متى يصبح المجتمع المدني شريكاً في صناعة السياسات العمومية، و ليس فقط شريكاً في تنفيذ بعض البرامج و المشاريع؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحاً اليوم، خصوصاً أن وثيقة رسمية منشورة سنة 2023 أشارت بوضوح إلى أن المجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي، رغم الإطار القانوني الذي صدر بشأنه، لم يكن قد تشكل بعد.

و هنا، لا بد من طرح السؤال بصراحة: هل أصبح التأجيل هو الحل؟

الحكومة المقبلة أمام امتحان حقيقي اليوم، و نحن نتجه نحو مرحلة سياسية جديدة، أعتقد أن ملف المجلس يجب ألا يبقى خارج النقاش.

و أنا هنا لا أوجه اتهاماً إلى حكومة بعينها، و لا أريد اختزال قضية الشباب في مؤسسة واحدة؛ فهناك برامج و مبادرات متعددة موجهة للشباب، كما أن وزارة الشباب و الثقافة و التواصل نظمت لقاءات جهوية و وطنية للحوار مع الشباب و دعم مبادراتهم.

لكن ذلك لا يلغي السؤال المؤسساتي:
إذا كان المغرب يريد فعلاً أن يجعل الشباب شريكاً في صناعة مستقبله، فلماذا لا تزال المؤسسة الدستورية المخصصة للاستماع إلى قضايا الشباب و العمل الجمعوي تنتظر؟ هل ستضع الحكومة المقبلة هذا الملف ضمن أولوياتها؟ هل ستفتح نقاشاً وطنياً حقيقياً حول المجلس؟
هل ستستمع إلى الجمعيات و الشباب قبل تحديد تركيبته و آليات اشتغاله؟

و هل سنرى أخيراً مؤسسة دستورية تستقبل أفكار الشباب، أم سنستمر في إنتاج برامج للشباب دون أن يكون للشباب دور كافٍ في صياغة التصورات الكبرى لهذه البرامج؟

الشباب لا يريدون أن يكونوا مجرد رقم، من واقع اشتغالي في المجال الجمعوي، أقولها بصراحة:

الشباب المغربي لا يحتاج فقط إلى من يتحدث باسمه؛ يحتاج إلى من يفتح له الباب ليتحدث بنفسه.

هناك آلاف الشباب الذين يعملون في الجمعيات، و الثقافة، و التطوع، و الرياضة، و الابتكار، و ريادة الأعمال، و التعليم، و البيئة، و التراث، و التنمية المحلية.

هناك شباب في الرباط و الدار البيضاء، ولكن هناك أيضاً شباب في فحص أنجرة، و شفشاون، و وجدة، و الناظور، و الرشيدية، و العيون، و القرى و المناطق الجبلية و المجالات النائية.

هؤلاء أيضاً جزء من المغرب. و هؤلاء أيضاً لديهم أفكار. و هؤلاء أيضاً من حقهم أن يجدوا قناة مؤسساتية حقيقية لإيصال صوتهم.

لا نريد مجلساً للصور و البروتوكول و هنا أطرح سؤالاً آخر أكثر جرأة: إذا تم إنشاء المجلس، فهل نريده مجلساً حقيقياً أم مجلساً بروتوكولياً؟ هل نريد مؤسسة تجتمع، و تصدر البلاغات، و تلتقط الصور، و تنتهي الحكاية؟ أم نريد مؤسسة تقوم بالدراسات، و تستمع إلى الشباب، و تقدم توصيات مبنية على المعطيات، و تتبع السياسات العمومية المتعلقة بالشباب و العمل الجمعوي، و تساهم في تقييمها؟

نحن لا نحتاج إلى مؤسسة جديدة فقط من أجل القول إن لدينا مؤسسة جديدة. نحتاج إلى مؤسسة تضيف قيمة حقيقية.

هناك سؤال حساس آخر يجب ألا نخاف من طرحه: من سيمثل الشباب داخل هذا المجلس؟ هل ستكون هناك تمثيلية حقيقية للجهات؟ هل سيكون للجمعيات المحلية نصيب من الحضور؟ هل ستصل أصوات الشباب الذين لا ينتمون إلى شبكات جمعوية كبيرة؟ هل سيتم اعتماد معايير واضحة و شفافة في الاختيار؟ و هل سيتم إشراك الشباب أنفسهم في صياغة قواعد اختيار ممثليهم؟

لأن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتحدث باسم الشباب دون أن نسأل الشباب أولاً.

المغرب يحتاج إلى شباب مشارك لا شباب متفرج، لقد تغير المغرب كثيراً منذ 2011. و تغير الشباب أيضاً.

جيل اليوم يعيش في عالم مختلف؛ عالم الرقمنة و الذكاء الاصطناعي ووالاقتصاد الإبداعي و المقاولة الاجتماعية و الثقافة الرقمية.

و لهذا فإن مقاربة الشباب بعقلية قديمة لن تكون كافية. نحتاج إلى الانتقال من منطق: “ماذا سنقدم للشباب؟”، إلى منطق:”ماذا سنبني مع الشباب؟”

وهنا بالضبط يمكن أن تكون للمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي قيمة حقيقية، إذا تحول إلى فضاء وطني للتفكير والاقتراح والإنصات والتقييم.

إلى الحكومة المقبلة: السؤال واضح، من موقعي كفاعل جمعوي، لا أطالب بالمستحيل. و لا أطالب بمؤسسة مثالية منذ اليوم الأول.

لكنني أطالب بشيء بسيط: أن يكون هناك جواب، جواب واضح من الحكومة المقبلة حول مستقبل المجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي.

هل سيتم تفعيله؟ متى؟ وبأي تصور؟
ومن سيشارك في صياغة هذا التصور؟ وكيف سيتم ضمان استقلاليته وفعاليته وتمثيليته؟ وهل سيكون للشباب والمجتمع المدني دور حقيقي في بنائه؟

هذه ليست أسئلة معارضة؛ هذه أسئلة مواطنين وفاعلين جمعويين يريدون أن يروا المؤسسات الدستورية تتحول إلى واقع.

وفي الختام : لا أعتقد أن المشكلة في المغرب هي غياب الشباب القادر على المبادرة.

المشكلة في كثير من الأحيان هي أننا لا نمنح هذه المبادرات دائماً المساحة المؤسساتية التي تستحقها.

لذلك أقولها بوضوح: لا نريد أن يبقى المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي مجرد فصل في الدستور ومادة في القانون.

نريد أن نراه مؤسسة حية، مؤسسة تسمع، تقترح، تدرس، تنتقد السياسات العمومية عندما تستدعي الضرورة ذلك، و تفتح المجال أمام الشباب ليكونوا جزءاً من صناعة القرار العمومي.

و أمام الحكومة المقبلة فرصة حقيقية لتقديم جواب عن سؤال ظل مطروحاً لسنوات:

هل سيخرج المجلس الاستشاري للشباب و العمل الجمعوي من ركن الانتظار إلى فضاء الفعل ؟ أم سيبقى مرة أخرى… ملفاً مؤجلاً؟ و الشباب المغربي، في نهاية المطاف، يستحق جواباً واضحاً.

بقلم: ياسين اللغميش – فاعل جمعوي بالمغرب

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق