النظرية الازدواجية القانونية: مواطنون في دولة واحدة وعوالم متعددة

ابراهيم
رأي•قضايا عامة
ابراهيممنذ 53 دقيقةآخر تحديث : منذ 53 دقيقة
النظرية الازدواجية القانونية: مواطنون في دولة واحدة وعوالم متعددة

بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، ومع انتقال النقاش إلى ما ينتظر الحكومة المقبلة، تبدو بعض الأسئلة أعمق من البرامج الانتخابية والوعود الحكومية، لأنها تتصل بعلاقة المواطن بالدولة وبمدى شعوره بأن القانون يسري عليه وعلى غيره بالمعيار نفسه، فالدولة لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما كذلك بمدى اتساق تطبيقها وآثارها على مختلف فئات المجتمع.

في دولة الحق والقانون، يفترض أن يكون القانون إطارًا مشتركًا للجميع، وأن تكون المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة بصرف النظر عن موقع الشخص أو طبيعة وظيفته، لكن التجربة اليومية قد تجعل المواطن يشعر أحيانًا بأن القانون لا ينتج الأثر نفسه في جميع المستويات؛ فهناك من يواجه تبعات الخطأ أو المخالفة بصورة مباشرة وسريعة، بينما تبدو مساءلة المسؤول عن تدبير الشأن العام أكثر تعقيدًا وأبطأ، وقد لا يظهر أثرها بالوضوح نفسه، ولا يعني ذلك أن كل مسؤول يفلت من المحاسبة أو أن كل قرار إداري يخضع للمحاباة، وإنما يتعلق الأمر بصورة أوسع بكيفية إدراك المواطن لتفاوت المسؤولية وآثارها داخل المنظومة القانونية.

وهنا تبرز فكرة “ازدواجية التجربة القانونية” ليس بمعنى وجود قانونين مكتوبين داخل الدولة، وإنما بمعنى اختلاف ما قد يترتب عن القانون بحسب موقع الشخص داخل المجتمع وموقع المسؤولية التي يتحملها، فالمساواة أمام القانون لا تكتمل بمجرد توحيد النص، وإنما تُختبر أيضًا في النتائج التي تترتب عن تطبيقه، وفي مدى وضوح الطريق الذي تنتقل عبره المسؤولية من مجرد إثبات الخطأ إلى ترتيب الأثر الذي يقتضيه القانون.

ومن هذه الزاوية، يصبح شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” أكثر من مجرد عبارة دستورية متداولة، فالمشكلة ليست في غياب مؤسسات الرقابة، ولا في انعدام النصوص التي تحدد المسؤوليات، وإنما في المسافة التي قد تفصل بين اكتشاف الاختلال وترتيب الأثر المترتب عنه، فوجود تقرير رقابي أو تسجيل ملاحظة حول خلل في التدبير لا يمثل في حد ذاته نهاية مسار المحاسبة، إذ تظل المسألة مرتبطة بما إذا كانت نتائج الرقابة تستطيع أن تنتقل وفق القانون، إلى مساءلة ذات أثر وتصحيح فعلي للاختلال.

ومن هنا يطرح الأمر سؤالين لا يتعلقان بوجود الرقابة من عدمها، وإنما بفعاليتها في الممارسة، هل تكفي مؤسسات الرقابة بصلاحياتها الحالية وبطريقة اشتغالها، لتحويل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من قاعدة دستورية إلى ممارسة فعلية؟ وهل تكفي الاستقلالية القانونية المعلنة للمؤسسة الرقابية إذا لم تكن لها، في الممارسة، القدرة الكافية على تحويل نتائج الرقابة إلى مساءلة ذات أثر؟

هذه الأسئلة لا تعني أن كل اختلال يستوجب بالضرورة عقوبة، فالمسؤولية القانونية لها شروطها، والخطأ في التدبير ليس دائمًا مخالفة تستوجب الجزاء، لكنها تعني أن تكون هناك حلقة واضحة بين الرقابة وتحديد المسؤولية واتخاذ الإجراء الذي يقتضيه القانون، ثم تصحيح الخلل بما يمنع تكراره، فالمحاسبة بالمعنى الذي يهم المواطن لا تكتمل بمجرد اكتشاف الاختلال أو تسجيله، وإنما عندما يصبح لذلك الاكتشاف أثر مؤسسي ملموس.

وهنا يعود السؤال إلى جوهر دولة الحق والقانون، هل يشعر المواطن بأن القانون واحد في أثره، وأن المسؤولية لا تتغير قيمتها باختلاف موقع صاحبها؟ فالمساواة التي ينص عليها الدستور لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها مساواة في الخضوع للنص، وإنما أيضًا باعتبارها مبدأ يحكم ترتيب المسؤولية والمساءلة وفق قواعد واضحة من المواطن العادي إلى أعلى مستويات المسؤولية في تدبير الشأن العام، وينص الفصل السادس من الدستور على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع بما في ذلك السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له.

ولذلك فإن التحدي أمام الحكومة المقبلة لا يختزل في سن مزيد من القوانين أو إنشاء مؤسسات جديدة بقدر ما يرتبط بقدرتها على جعل القواعد القائمة تنتج آثارًا أكثر اتساقًا وعدلًا، فثقة المواطن لا تُبنى فقط عندما يعرف أن هناك قانونًا يحميه، وإنما عندما يرى أن المسؤولية تجد طريقها إلى المحاسبة، وأن الرقابة قادرة على إنتاج أثر، وأن الخطأ في تدبير الشأن العام لا يبقى بلا معالجة لمجرد أن صاحبه يوجد في موقع مسؤولية.

إن توحيد التجربة القانونية للمغاربة، قد يكون بهذا المعنى أحد الاختبارات الحقيقية لدولة الحق والقانون، أن يكون القانون واضحًا في قواعده، متوازنًا في تطبيقه، وأن تكون المسؤولية قابلة للمساءلة على مختلف المستويات، فحين يشعر المواطن أن القانون يحميه ويطالبه بالمسؤولية في الوقت نفسه، وأن المبدأ ذاته يمتد إلى من يتولى تدبير الشأن العام، يصبح ربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسة مؤسساتية لا مجرد شعار، وتصبح المساواة أمام القانون واقعًا يُعاش، لا مبدأً يظل حبيس النص.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق