في ساعاتٍ ما قبل الفجر، حين تكون الطريق شبه نائمة والبحر يهمس في صمتٍ ثقيل، لم تكن الطريق الساحلية الرابطة بين سيدي بوزيد ومولاي عبد الله تعلم أنها ستتحوّل في لحظة إلى شاهد على فاجعة جديدة. لم يكن أحد يتوقع أن ينتهي مشوار عادي بثلاثة شبان إلى مأساة ستترك جرحا مفتوحا في قلوب عائلاتهم وأصدقائهم.
سيارة خفيفة من نوع هيونداي تيكسون كانت تشق عتمة الليل، قبل أن تنقلب فجأة، كأن الطريق لفظتها بعنف. ثوان قليلة كانت كافية لتبدل كل شيء: صرخة مكتومة، ارتطام قاس، ثم صمت موحش لا يقطعه سوى أنين خافت.
أحد الشبان أسلم الروح في عين المكان، جسد غارق في الدم، وحلم انطفأ قبل أن يكتمل. شاب في مقتبل العمر، لم يمهله القدر ليودع أحبّدته، ولم يتح له الوقت ليحلم أكثر. أما رفيقاه، فكانا يتشبثان بالحياة بخيط رفيع، نقلا على وجه السرعة إلى مستشفى الإقليمي محمد الخامس و بعدها الي أكديتال، حيث وضعا بقسم الإنعاش، بين الأجهزة والأنفاس المتقطعة، في صراع صامت مع الموت.
وفي قلب هذا المشهد القاسي، برز نداء إنساني مستعجل: أحد المصابين في وضع حرج، يحتاج إلى التبرع بالدم من فصيلة O سالب. دم قد يكون الفارق بين الحياة والرحيل، وقطرة أمل في بحر الألم. نداء لا يعرف اسما ولا وجها، لكنه يعرف أن إنقاذ روح إنسان واجب لا يحتمل التأجيل.
في المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة، كان المشهد أكثر وجعا. جثمان الشاب الراحل وضع في مستودع الأموات، بينما تجمع الأصدقاء والأقارب، عيون دامعة، ووجوه شاحبة لا تصدق ما حدث. دعاء صامت، وانكسار لا تصلحه الكلمات. أم تبكي، وأب يحدق في الفراغ، وأصدقاء يودعون رفيق درب سرقته الطريق في لحظة غدر.
هذه الفاجعة تعيد من جديد طرح السؤال المؤلم: إلى متى ستظل هذه الطريق الساحلية بجماعة مولاي عبد الله أمغار تحصد الأرواح؟ طريق بلا إنارة، بلا شروط سلامة، تتحول ليلا إلى فخ قاتل. مأساة أخرى تضاف إلى سجل طويل من الإهمال، وتذكير قاس بضرورة اليقظة واحترام قواعد السير، قبل أن تدفع عائلات أخرى ثمن الإهمال دما ودموعا.
وإذ نودع الشاب الراحل بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، نرفع نداء إنسانيا عاجلا لكل من تتوفر فيه فصيلة الدم O سالب: توجهوا للتبرع، فقد تكونون سببا في إنقاذ حياة شاب ما زال يتشبث بالأمل. ونسأل الله الشفاء العاجل للمصابين، وأن يلهم ذوي الفقيد الصبر والسلوان على هذا المصاب الجلل.
ليست هذه مجرد حادثة سير — بل قصة وجع — وحلم انكسر — رسالة صامتة تقول: انتبهوا للطريق.. فالموت لا يعلن عن نفسه مسبقا.
نجيب عبد المجيد




