منع التجمعات السلمية: بين الحق في التعبير والنصوص والممارسات

ابراهيم
أحداثالوطنيةقضايا عامةمجتمع
ابراهيم22 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 10 أشهر
منع التجمعات السلمية: بين الحق في التعبير والنصوص والممارسات

في سياق يتسم بتزايد المطالب الاجتماعية وتنامي الوعي الحقوقي لدى المواطنين، تشهد العديد من المجتمعات صدامًا متكررًا بين إرادة التعبير الشعبي ومقاربات السلطة في ضبط المجال العام، تتخذ هذه المواجهة أشكالًا متعددة، أبرزها منع الوقفات الاحتجاجية التي تُنظم للتنديد بالأوضاع المعيشية أو الخدمات العمومية، وهو ما يطرح إشكالات عميقة حول مدى احترام الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في التظاهر والتجمع السلمي، باعتبارهما من ركائز الديمقراطية الحديثة.

ففي مشهد يعكس تصاعد التوتر بين المواطنين والسلطات المحلية، أقدمت مجموعة من مسؤولي المدن المغربية على إصدار قرارات بمنع الوقفات الاحتجاجية، التي كان مزمع تنظيمها يوم الأحد 21 شتنبر 2025، والتي دعا إليها مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، احتجاجًا على ما وصفوه بـتردي الخدمات الصحية في عدد من المستشفيات العمومية، والتي باتت تُلقب في بعض الأوساط بـمستشفيات الموت .

القرارات التي شملت مدنًا متعددة جاءت في سياق تصاعد الغضب الشعبي من تدهور البنية الصحية، ونقص التجهيزات، وسوء المعاملة داخل المؤسسات الاستشفائية، غير أن منع هذه الوقفات السلمية يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام الدولة المغربية لحق المواطنين في التعبير والاحتجاج، وهو حق مكفول دستوريًا ، فضلًا عن التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هذا المنع لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التضييق على الحريات، حيث باتت السلطات تتعامل مع المطالب الاجتماعية بمنطق أمني صرف، متجاهلة ما تنص عليه المواثيق الدولية من ضمانات لحرية التعبير والتجمع السلمي.

ما يزيد من حدة التناقض هو أن الحكومة المغربية، التي جاءت عبر صناديق الاقتراع، ترفع شعار “العدالة الاجتماعية” و”الإنصات للمواطن”، لكنها في الواقع تبدو عاجزة أو غير راغبة في الاستجابة لمطالب أساسية تتعلق بالصحة، وهي من أبسط الحقوق التي يفترض أن تضمنها أي حكومة منتخبة، فبدلًا من فتح قنوات الحوار، اختارت السلطات المحلية نهج المنع في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لاحتواء الغضب الشعبي بدل معالجته من جذوره، هذا السلوك يعكس انحرافًا عن الدور المفترض للحكومة، التي انتُخبت لتسهر على تلبية احتياجات المواطنين، لا لقمع أصواتهم حين يطالبون بحقوقهم.

الاحتجاجات التي دُعي إليها لم تكن ذات طابع سياسي أو حزبي، بل جاءت من مواطنين عاديين، بعضهم فقد أقارب بسبب الإهمال أو ضعف الخدمات الصحية، هذه الوقفات كانت تهدف إلى إيصال صوت المعاناة، لا إلى زعزعة الأمن العام، وبالتالي فإن منعها لا يعكس فقط أزمة في القطاع الصحي، بل أزمة ثقة بين المواطن والدولة، تتفاقم كلما تم تجاهل المطالب المشروعة، فالمواطن المغربي لم يخرج إلى الشارع إلا بعد أن استنفد كل وسائل التعبير، وبعد أن وجد نفسه أمام مؤسسات صحية لا توفر الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، ناهيك عن العلاج.

إلى جانب الأزمة الصحية، يعيش المواطن المغربي في عدد من المناطق، خصوصًا الهامشية منها، ظروفًا اجتماعية واقتصادية متدهورة تتجلى في ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العمومية في مجالات التعليم والبنية التحتية، وغياب فرص الشغل، وتهميش المناطق القروية، هذه الأوضاع لا يمكن فصلها عن السياسات الحكومية التي فشلت في ضمان العدالة المجالية، وتركت فئات واسعة من الشعب تواجه مصيرًا غامضًا في ظل غياب رؤية تنموية حقيقية، كل هذه العوامل تغذي الإحساس بالغبن، وتدفع المواطنين إلى التعبير عن سخطهم، وهو ما يُقابل بمنع وتضييق بدل الاستماع والاستجابة.

إن منع الاحتجاجات السلمية، وتجاهل المطالب الشعبية وتغليب منطق الأمن على منطق الحقوق، كلها مؤشرات على انزياح خطير عن المبادئ الديمقراطية التي يفترض أن تكون أساسًا للحكم، فالحكومة التي تصف نفسها بـ”الاجتماعية” تبدو في ممارساتها أقرب إلى السلطوية، حيث يتم التعامل مع المواطن كعنصر يجب ضبطه لا الاستماع إليه، هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يضعف شرعية المؤسسات، ويغذي الإحساس بالغبن والتهميش، خاصة في ظل استمرار تدهور الخدمات الأساسية التي تمثل جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الحكومة المغربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في سياساتها الاجتماعية، والقطع مع المقاربة الأمنية في التعامل مع الاحتجاجات، والوفاء بالتزاماتها الدستورية والدولية، فالمواطن المغربي لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقوقه الأساسية، وعلى رأسها الحق في الصحة والكرامة والعدالة.

إن منع أشكال التعبير السلمي لا يعكس فقط خللًا في تدبير المطالب الاجتماعية، بل يكشف عن أزمة أعمق في العلاقة بين المواطن والمؤسسات، فحين يُقابل الصوت المدني بالمنع بدل الحوار، تتراجع الثقة وتتسع الهوة في بناء مجتمع متماسك الذي لا يتحقق إلا بضمان الحقوق، واحترام الحريات، والاعتراف بشرعية المطالب، مهما كانت قاسية أو محرجة. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل بقدرة الدولة على الإنصات والاستجابة دون خوف من النقد أو مساءلة.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق