مهرجانات في زمن العطش التنموي: عين اللوح نمودجا

ابراهيم
2025-07-18T22:22:08+03:00
قضايا عامةمجتمع
ابراهيم18 يوليو 2025آخر تحديث : منذ 11 شهر
مهرجانات في زمن العطش التنموي: عين اللوح نمودجا

في مشهد يتكرر كل سنة، تطفو على السطح صرخات الفرح المعلب تحت مظلة “الاحتفال بالتراث”، لتغمر مناطق لم تعرف بعد طريقها إلى أبسط شروط العيش الكريم ، مهرجانات تُنفق عليها ميزانيات ، تُنصَب فيها الخيام، وتُعلَّق اللافتات البراقة، ويُقدَّم الفن الشعبي كمرآة لنجاح مجتمعي مزعوم، بينما الواقع يكذّب كل ذلك على أبواب المستشفيات المهملة المهمشة المتهالكة ، والمدارس ، والطرق التي ما زالت تئن تحت وطأة التهميش والهجرة .

لم يكن مهرجان “عين اللوح” سوى نموذج يُبرز المفارقة العميقة بين الأولويات الحقيقية للمواطن، وبين ما يُفرض عليه باسم “الاحتفاء بالهوية” ، فكيف لمناطق تعاني من خصاص مزمن في الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية وفي ابسط احتياجات العيش الكريم ، أن تجد نفسها فجأة مركزًا لمظاهر احتفالية مبالغ فيها، وكأن الفرح يمكن أن يُبنى على أنقاض المعاناة؟

تفاعلات رواد مواقع التواصل الاجتماعي باستمرار تاتي باصوات لاذعة وصادمة في كثير من الأحيان، تعكس بشكل صارخ حجم الهوة بين انتظارات الناس وسياسات التجميل الظرفي ، أحدهم كتب ساخرًا: “قصة النجاح لا تروى في الكلمات، بل تشاهد على أبواب المستشفيات”، بينما آخر علّق بحنق: “شعب يشطح ساعة ويبكي العام كامل”.
النقد اللاذع لم يكن موجهًا للفن أو التراث الشعبي في حد ذاته، بل للطريقة التي يُستغل بها هذا التراث لتلميع صورة سياسية أو إدارية على حساب انتظارات المواطن ، حيث تحوّلت هذه التظاهرات إلى واجهة شكلية تغطي فشلًا تنمويًا صارخًا، يعيشه المواطن كل يوم في تنقلاته، وصحته، وتعليم أبنائه…

فما يحدث ليس مجرد احتفال، بل ممارسة رمزية تتغاضى عن الألم، وتُخدر الوعي الجماعي بوهج اللحظة ، إنها لحظة فرح لا تُؤسس لشيء ، وذاكرة جماعية تُغسل كل سنة بموسيقى البندير، بينما تظل الملفات الثقيلة والانسانية مركونة على رفوف النسيان.

إن ما تحتاجه هذه المناطق ليس مزيدًا من المنصات والفرق الفولكلورية، بل منصات تعليمية حقيقية، وفرق طبية ومستشفى يليق بكرامة الانسان بشكل مجاني وهدا حق دستوري ، ومشاريع تنموية تخلق فرقًا ملموسًا في الحياة اليومية للمواطن ، فإحياء الذاكرة الجماعية لا يكون بالرقص فقط، بل بتكريم الإنسان وكرامته أولًا ، مما يستوجب إعادة ترتيب الأولويات: لا مانع من الفرح، ولكن ليس على أنقاض الألم.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق