الاستحقاقات الانتخابية: حين تتوارى البرامج بين انحطاط السياسة وابتذال المنصات

ابراهيم
أحداثالوطنيةقضايا عامةمجتمع
ابراهيممنذ 7 دقائقآخر تحديث : منذ 7 دقائق
الاستحقاقات الانتخابية: حين تتوارى البرامج بين انحطاط السياسة وابتذال المنصات

تُشكل الشبكات الرقمية في عصرنا الراهن الفضاء العمومي البديل الذي تتشكل فيه التمثلات وتتصارع داخله الرؤى والتوجهات المجتمعية، غير أن هذا الفضاء، الذي أُسس في الأصل لتعزيز التواصل الديمقراطي وتحرير الكلمة، سرعان ما يتجرد من أبعاده التفاعلية والتنويرية كلما احتدمت الرهانات السياسية، ليتأرجح بين كونه منصة للنقاش الحر وتحوله إلى أداة للتجييش الأعمى وإعادة إنتاج التخلف السياسي بلبوس رقمي حديث.

ومع الاقتراب المتزايد لموعد الاستحقاقات البرلمانية، يتضاعف هذا الانزلاق؛ إذ لم يعد الفضاء الافتراضي مجالاً حراً للتعبير وتبادل الآراء، بل تحول إلى ساحة صراع سياسي رمزي تنصب فيها المشانق للأفكار قبل الأشخاص ويُعدم فيها الرأي المخالف باسم الفضيلة، والاختلاف باسم الإقناع، والعقل باسم الاصطفاف، وهكذا أصبح ما يجري اليوم على المنصات الرقمية ممارسة إقصائية وتفريغاً انفعالياً يعيد تشكيل الوعي الجمعي وفق منطق القطيع ويفرغ السياسة من بعدها الأخلاقي والفكري، ليتوارى النقاش حول البرامج والتنمية خلف غبار التراشق والتضليل.

وللأسف الشديد انتقلت بعض التيارات والأطراف السياسية بعد فشلها في فرض أطروحاتها وإقناع المواطنين في الواقع الميداني إلى الاستثمار المكثف والشرس في العالم الافتراضي، حيث لا مؤسسات تنظم ولا محاسبة تردع ولا ذاكرة جماعية تحاسب، وهناك في هذه البيئة ذات الذاكرة القصيرة يُعاد تدوير الخطاب الشعبوي وتُضخّم الأحداث وتُختزل القضايا السياسية والمجتمعية المعقدة في ثنائيات قاتلة وإقصائية من قبيل “معنا أو ضدنا” و”مصلح أو فاسد”، مما أدى إلى تبسيط السياسة حتى فقدت معناها وتحويلها من تدبير عقلاني للاختلاف إلى صراع غرائزي يُدار بالحشد والتجييش.

وفي هذا السياق المتوتر تتقدم نخب زائفة وفئات مدعمة لأحزاب ومرشحين معينين نخب لا تمتلك مشروعاً مجتمعياً ولا رؤية تنموية لكنها تجيد اللعب على الانفعال وتستثمر في الخوف والتعاطف السطحي، حيث تعتمد هذه الفئات على لغة مبتذلة لتبرير دعمها، فتروّج لمرشحيها لا على أساس الكفاءة أو البرنامج بل عبر تأويلات وانطباعات تبجيلية سريعة من قبيل أنه “ابن ناس”، أو “رجل فاضل وذو أخلاق”، أو “يقوم بالخير للمصلحة العامة”، لتُستعمل هذه اللغة الأخلاقية والمجاملات الزائفة غطاءً للولاء الأعمى، ووسيلةً للتهرب من أي نقاش جاد حول الحصيلة والإنجازات.

ولفرض هذا الواقع الافتراضي المصنوع، يلجأ هؤلاء إلى الاستعانة بكثرة الحسابات الوهمية والملفات الذبابية التي تُسخّر لإغراق المنصات بالتعليقات والتفاعلات الموجهة، بهدف إيهام الرأي العام بوجود التفاف شعبي كاذب حول مرشحهم، وممارسة ضغط نفسي يُغيّب الصوت العقلاني، وبالموازاة مع هذا التلميع الزائف تمارس هذه الكتائب أشد أشكال العنف الرمزي ضد المخالفين، عبر التشهير والتخوين والإعدام المعنوي لكل من يطرح سؤالاً أو ينتقد خياراً في مشهد يذكّر بأسوأ مراحل الانغلاق السياسي.

ولا يتوقف هذا الانحطاط عند حدود النقد الحاد، بل يتجاوزه إلى وسم الفئات المقاطعة للانتخابات أو المخالفة للرأي بأسلوب منحط وسوقي، تعمد فيه بعض الفئات الداعمة إلى تجريد المقاطعين من أهليتهم، ووصمهم بأوصاف حاطة بالكرامة الإنسانية، فتشبههم بـ”الحمير” أو تنعتهم بالغباء والانعدام الوطني، ويصبح هذا الاستثمار في الإهانة والتحقير محاولة للتغطية على أسباب المقاطعة الحقيقية، وإرهاب كل صوت يتخذ موقفاً نقدياً من العملية الانتخابية، مما يحول الفضاء الأزرق إلى محاكم تفتيش زجرية تُحرم المواطن من حقه في التعبير أو الرفض.

إن الأشد خطورة في هذه الممارسات الرقمية المتطرفة أنها لا تستهدف أفراداً أو أحزاباً بعينهم فحسب، بل تضرب في العمق أسس التعايش السياسي والمجتمعي وتزرع بذور الفتنة والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد؛ فعندما تُستبدل المحاججة بالسباب وتُحل الحسابات المزيفة محل المواطنين الأحرار يصبح التفكير مخاطرة، والمشاركة مغامرة، والصمت خياراً عقلانياً، وهنا تبدأ السياسة في الانكماش ويفسح المجال أمام التطرف والشعبوية والفراغ، في إشارة إلى أن الأوطان لا تُهدد فقط بالأزمات الاقتصادية أو الأمنية، بل تُهدد أيضاً بانهيار المعنى داخل فضائها العمومي وتفكك النسيج المجتمعي تحت وطأة الأحقاد والفتن المفتعلة.

لذلك فإن حماية المجال السياسي وتصحيح المسار عشية كل استحقاق يقتضيان إعادة الاعتبار للعقل، والنقاش المسؤول، والاختلاف بوصفه مكوناً أساسياً للبناء لا خطراً داهماً؛ لأن المطلوب اليوم ليس المزيد من الصراخ ولا حملات التشهير ولا جيوش الحسابات الوهمية، بل بناء وعي نقدي جماعي يميّز بين الحرية والفوضى، وبين النقد والهدم، وبين الاختلاف والتخريب؛ ووعيٌ يدرك أن السياسة ليست مشنقة افتراضية، وأن الوطن لا يُبنى بالإعدام الرمزي ولا بزرع التفرقة والفتنة بين أبنائه، بل بالتعددية والاحترام المتبادل والقدرة على تدبير الخلاف السياسي داخل سقف المسؤولية والمواطنة الجامعة.

فالمشانق الافتراضية، وكتائب الحسابات المزيفة، وخطابات التحقير قد تمنح أصحابها لحظة انتصار زائف أو مقعداً انتخابياً عابراً، لكنها على المدى البعيد لا تنتج سوى مجتمع خائف ومتمزق، وساحة سياسية خاوية من المعنى، ووطن يدفع ثمن عبثٍ لا مستقبل له.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق