يقول المثل الشعبي: “لحضر يقضي”، ويُقصد به أن الحضور واتخاذ القرارات هو ما يحقق التأثير والنتائج. ومع ذلك، فهناك مثال حي على أن غياب بعض الأعضاء عن لحظات الحسم قد يكون أكثر خيانة من اتخاذ المواقف.
في مشهد غير مسبوق في البرلمان المغربي، غاب 291 عضوًا يوم التصويت على قانون الإضراب، مما أدى إلى اعتماده “بمن حضر”. وهذا الغياب الواسع يثير تساؤلات حول مسؤولية النواب ودورهم في التشريع واتخاذ القرارات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
إن الإضراب حق دستوري مكفول للعمال، لكن طريقة التعامل معه في البرلمان كانت غير مسبوقة، حيث لا يمكن تقبّل أن يغيب ثلثا أعضاء البرلمان عن هذا التصويت الحساس، ليتم اعتماد القانون بتصويت من لم يغب فقط. الغياب هنا ليس مجرد تقاعس عن حضور جلسة، بل خيانة للثقة التي وضعها فيهم الشعب عبر صناديق الاقتراع. فقد كانت تلك فرصة لتمثيل المصالح الشعبية، وهي فرصة قد تسببت في ضياعها اللامبالاة أو الهروب من المسؤولية.
الحديث هنا لا يقتصر فقط على التصويت على قانون الإضراب، بل يمتد إلى تسليط الضوء على مدى تأثير غياب المسؤولين عن أداء واجبهم، وخاصة في القضايا التي تتعلق بحقوق المواطنين الأساسية. فما قيمة القرارات إذا كانت تُتخذ “بمن حضر” في غياب من يفترض أن يمثلوا الفئات الكبرى من الشعب؟ وكيف لنا أن نثق في مؤسساتنا إذا كان هذا هو حال ممثلي الشعب؟
إن ما وقع يعكس بشكل جلي الحاجة إلى مراجعة قانونية وتنظيمية للمسؤوليات البرلمانية لضمان مشاركة حقيقية وفاعلة من جميع الأعضاء في اتخاذ القرارات المصيرية، مع ضمان محاسبة المقصرين. فالسياسة لا تتعلق فقط بالتواجد في لحظات معينة، بل بالاستمرار في الالتزام والمشاركة الفعالة لما فيه مصلحة الوطن والمواطن.
محمد فتاح




