أثارت المذكرة الأخيرة المتداولة عن المندوبية السامية للتخطيط جدلاً واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث استهزأ العديد من النشطاء والمتابعين بآرائهم من محتوى التقرير الذي يزعم أن الفقراء في المغرب قد استفادوا بشكل ملموس من السياسات الاجتماعية التي تم تطبيقها بين مارس 2022 ومارس 2023 ، فيما انتقد آخرون المذكرة بشدة، مشيرين إلى أن المعطيات الواردة فيها لا تعكس واقع المواطن المغربي الذي يعاني بشكل يومي من غلاء المعيشة، البطالة، وتدهور الخدمات الأساسية.
تحت عنوان “كيف استفاد الفقراء من الأثر الملموس للسياسات الاجتماعية؟”، حيث استعرضت المندوبية السامية للتخطيط في هده المذكرة المتداولة كيف استفاد الفقراء من السياسات الاجتماعية الحكومية، مشيرة إلى تحسن هيكلي في مستوى المعيشة للأسر ، وإلى أن الدخل السنوي للأسر في المغرب ارتفع، ليصل إلى 89.170 درهم على المستوى الوطني، مع تفاوت كبير بين الأوساط الحضرية والقروية، حيث بلغ متوسط الدخل السنوي في الوسط الحضري 103.520 درهم، مقارنة بـ 56.047 درهم في الوسط القروي.
لكن هل تعكس هذه الأرقام واقع المواطن المغربي؟
في الوقت الذي تحدثت فيه المذكرة عن انخفاض ملموس في نسب الفقر، مقارنة مع الواقع الذي يعيشه المواطن المغربي اليوم يبدو مغايرًا تمامًا لتلك المعطيات ، فمن جهة، تُظهر الإحصائيات تراجعًا في معدل الفقر من 9.1% إلى 5.7%، واحتساب انخفاضات ملحوظة في المناطق القروية، إلا أن المواطنين في تلك المناطق يواصلون مواجهة التحديات الكبرى من حيث قلة فرص العمل، ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع الأسعار، خاصة في ما يتعلق بالمواد الأساسية كالوقود والغذاء.
أما في المدن الكبرى، ورغم ما يُقال عن تحسن الدخل ، إلا أن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية تظل واقعيا ماثلة أمام الجميع ، حيث لا يزال هناك شريحة واسعة من الأسر التي تعيش تحت خط الفقر، وتحارب يوميًا من أجل تلبية احتياجاتها الأساسية ، وكلما طال أمد السياسات المعتمدة، زادت تظلمات المواطنين، الذين لم يروا انعكاسًا مباشرًا لتلك السياسات على حياتهم اليومية.
ومن ابرز بعض التعليقات التي كانت عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بمطالب المواطنين البسطاء ، تبدو المذكرة وكأنها تتحدث عن “مغرب آخر”. مغرب يختلف عن الواقع الذي يعيشه المواطنون في الأحياء الشعبية، حيث لا تتجاوز الرواتب متوسط الدخل السنوي المذكور في التقرير، وفي غالب الاحيان أقل ، كما يعاني العديد من المواطنين من تكاليف الحياة المرتفعة التي تبتلع رواتبهم دون أن تترك لهم مجالًا لتحسين وضعهم المعيشي.
لا شك أن الحديث عن “تحسن هيكلي” في الحياة اليومية لبعض الفئات الاجتماعية قد يكون دقيقًا بالنسبة للبعض، لكن بالنسبة للكثير من المواطنين، يعتبر هذا الطرح بعيدًا عن الواقع، خاصة مع التضخم الذي يعيشه السوق المحلي وارتفاع أسعار المواد الغذائية والنقل ، فالتقارير الرسمية على ما يبدو لا تأخذ دائمًا بعين الاعتبار الجوانب الإنسانية والمعيشية التي يراها المواطن في كل يوم، والتي لا تقتصر على الأرقام والبيانات الجافة.
خلاصة : المغرب في حاجة إلى سياسات اجتماعية واقتصادية فعالة تترجم على أرض الواقع، لا مجرد أرقام وتقارير تُكتب على الورق ، إذ من الضروري أن تعكس التقارير الرسمية الواقع الحقيقي للمواطن المغربي وتُسلط الضوء على مشكلاته المعيشية اليومية ، فالتنمية الحقيقية لا تكمن في أرقام إحصائية فحسب ، بل في تحسين مستوى الحياة لكل فئات المجتمع، خاصة تلك الأكثر فقرا والتي تحتاج إلى سياسات عملية تُحسن وضعها المعيشي.
المصطفى اخنيفس




