ليس الوقت مجرد أرقام تُضاف أو تُحذف من عقارب الساعة، بل هو جزء من الإيقاع اليومي لحياة الناس ومن توازنهم النفسي والاجتماعي، وكلما اقتربت المحطة الزمنية ذات الحمولة الدينية والإنسانية يعود الجدل حول كيفية تدبير الزمن ليطفو على السطح كاشفًا عن فجوة قائمة بين من يتخذ القرار ومن يتحمل تبعاته، وبين من ينظر إلى الساعة كأداة تنظيم ومن يعيشها كعبء يومي مفروض.
ونحن على مشارف شهر رمضان الأبرك، ومع الإعلان الرسمي للعودة إلى الساعة القانونية المعتمدة، أي توقيت غرينيتش، والتخلي عن الساعة المضافة خلال هذا الشهر الفضيل، يتجدد النقاش داخل المجتمع حول سياسات تدبير الزمن وآثارها الواقعية، نقاش يتكرر سنويًا تتقاطع فيه التبريرات الرسمية مع الاعتراضات المتزايدة، ويُقدَّم في الغالب باعتباره إجراءً تقنيًا محضًا، في حين تكشف التجارب اليومية أنه يمس بشكل مباشر الإيقاع اليومي لحياة الناس ويمتد أثر هذا القرار إلى نمط عيش المواطنين، وتنظيم وقت العمل والدراسة، والتوازن العام للحياة الاجتماعية، خاصة في فترة زمنية حساسة كشهر الصيام.
غير أن الواقع، كما تعكسه كثرة الأصوات الرافضة، يكشف أن هذه الساعة لا تخدم سوى فئة محددة، وترتبط أساسًا باعتبارات اقتصادية وتجارية ضيقة، بينما تُفرض تبعاتها اليومية على شعب بأكمله، فبين اختلال الساعة البيولوجية وتأثيرها المباشر على التلاميذ والطلبة، ومعاناة العمال والموظفين مع ساعات الظلام، وإرهاق الأسر خلال شهر الصيام، يصبح الزمن عبئًا إضافيًا لا خيار للمواطن في حمله أو رفضه.
وفي شهر رمضان تحديدًا، تتضاعف هذه المعاناة، حيث يُعاد ترتيب إيقاع الحياة على وقع الصيام والعبادة، لا على منطق الإنتاج والربح، ومع ذلك يُطلب من الناس التكيّف مجددًا مع قرار يُتخذ من فوق دون نقاش عمومي حقيقي، أو تقييم شفاف لتأثيره الاجتماعي والنفسي، خاصة على الفئات الهشة التي لا صوت لها في دوائر القرار.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لمن تُضبط هذه الساعة فعلًا؟ وهل تُقاس المصلحة العامة فقط بلغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، أم بمدى انسجام القرارات مع واقع الناس وحاجاتهم؟ فحين تتحول مصلحة فئة محدودة إلى قاعدة عامة تُفرض على الجميع، يصبح الحديث عن “الساعة القانونية” حديثًا عن سلطة القرار أكثر مما هو عن تنظيم الوقت.
وهكذا، لا يعود الجدل حول التوقيت مجرد نقاش تقني عابر، بل يتحول إلى مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين المواطن والقرار العمومي في المغرب، وحدود المشاركة المجتمعية، وقدرة السياسات العمومية على الإنصات لنبض الشارع، خاصة في محطات زمنية وروحية حساسة، حيث لا يكون للوقت معنى رقمي فقط، بل معنى إنساني ومعيشي عميق.
في النهاية، يظل الجدل حول الساعة القانونية أبعد من كونه نقاشًا تقنيًا أو ظرفيًا، بل هو تعبير صريح عن حاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في طريقة اتخاذ القرار العمومي وربطه فعليًا بنبض المجتمع لا بمصالح معزولة، فحين يشعر المواطن أن وقته يُدار دون إرادته، يتآكل الإحساس بالمشاركة والثقة، ويصبح الزمن نفسه مجالًا للاحتجاج الصامت، خاصة في بلد مثل المغرب، حيث يبقى الأمل قائمًا في سياسات تُصالح بين متطلبات التنمية وكرامة الإنسان.
المصطفى اخنيفس




