
في مهرجان القنيطرة، لم يكن صعود المعجبة إلى منصة الفنان” لمجرد” لحظة عابرة في جدول الحفل، بل كان مشهدًا إنسانيًا مكثفًا، يختصر علاقة الفن بالجمهور، ويعيد تعريف المنصة لا كمكان للعرض، بل كمساحة اعتراف.
تلك الفتاة التي اخترقت الحواجز، وصعدت بعفويتها إلى حيث يقف الفنان، لم تكن تطلب صورة أو توقيعًا، بل كانت تطلب أن تُرى. أن يُعترف بوجودها، بشغفها، بانتمائها إلى عالم الأغنية الذي منحها لحظة هروب من واقعٍ ربما لا يراها بما يكفي.
والفنان، حين يمد يده، ويبتسم، ويمنحها لحظة حضور، لا يكون فقط نجمًا، بل يصبح إنسانًا. يصبح مرآةً للجمهور، لا نجمًا فوقه. تلك اللحظة، التي قد يراها البعض هامشية، هي في الحقيقة قلب المهرجان، لأنها تُظهر أن الفن لا يعيش في الأضواء، بل في العيون التي تلمع أمامه.
لكن السؤال الأعمق هنا: لماذا نحتاج إلى هذه اللحظات؟ لماذا تثيرنا؟ لأننا، كمجتمع، نفتقد المساحات التي يُسمح فيها للوجدان أن يتكلم دون إذن. نفتقد المنصات التي لا تُدار بالبرمجة، بل بالعاطفة. وحين يخترق أحدهم هذا النظام، ولو بعفوية طفلة، نشعر أن شيئًا ما قد تحرر.
الفن، في جوهره، ليس ترفيهًا. إنه مساءلة. إنه اعتراف بأن الإنسان يحتاج إلى من يسمعه، من يراه، من يقول له: وجودك مهم. وصعود المعجبة إلى المنصة هو لحظة مقاومة صامتة، تقول إن الجمهور ليس مجرد متلقٍ، بل شريك في المعنى.
في زمنٍ تُدار فيه المهرجانات كعروض تجارية، تأتي هذه اللحظة لتذكرنا بأن الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الحضور، بل بمدى الصدق الذي يمرّ بين المنصة والجمهور. وأن الطفلة التي صعدت، ربما كانت أكثر صدقًا من كل فقرات الحفل.
بقلم محمد فتاح

