حَرقُ المُصْحَفِ: الدوافع والدلالات وتحديات الأمة

ابراهيم
أحداثأخبار العالم
ابراهيم2 يوليو 2023آخر تحديث : منذ 3 سنوات
حَرقُ المُصْحَفِ: الدوافع والدلالات وتحديات الأمة
A demonstrator burns the Koran outside Stockholm's central mosque in Stockholm, Sweden June 28, 2023. TT News Agency/Stefan Jerrevang/via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. SWEDEN OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN SWEDEN.

بعد إسقاط الغرب قداسة الكنيسة باسم الحرية والمساواة والمؤاخاة، وبعد تمزيق الدولة الإسلامية العثمانية باسم الدستور وصيانة حقوق الأقليات، وبعد إسقاط جمهورية الاتحاد السوفياتي تحت شعار حقوق الإنسان وكسر الطوق الحديدي الأحمر، لم يبق أمام الغرب الصهيوني الإمبريالي سوى محاربة الإسلام أو المد الأخضر الذي اعتبروه عقبة كأداء في طريق نموذجهم الليبرالي العولمي المتوحش. ولتحقيق هذه الغاية، سخر الغرب دراري الإسلام للطعن داخليا في مضامين القرآن عبر تأويلات تتغيا تحريف معانيه المُجْمَعِ عليها من طرف علماء المسلمين طوال قرون من الزمن، وبالموازاة سخر ذات الغرب خارجيا وسائل الإعلام واليمين المتطرف لازدراء شخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والطعن في القرآن واعتباره كتاب حرب وإرهاب. وهذه الدعوات وإن كانت تمتح من الأدبيات الدينية للحروب الصليبة، فإنها بعد علمنة الدولة أصبحت أيضا تستمد شرعيتها من الخطاب السياسي الحديث والمعاصر. وهنا نستحضر المستر غلادستون رئيس الوزراء البريطاني الذي وقف في مجلس العموم يمسك بيده نسخة من المصحف ويقول لأعضاء المجلس: «so long as there is this book، there will be no peace in the world»، وترجمتُها: «مادام هذا الكتاب «القرآن» موجوداً فلن يكون هناك سلام في العالم» (1).
فهذه المقولة جيشت ولا تزال الغرب اليميني بك أشكال الكراهية للإسلام والمسلمين، وهو ما تجلى في الشعار الذي كان الجنود البريطانيون يرددونه كلما أعلنوا الحرب على المسلمين وتوجهوا نحو الشرق: « يا أماه إن مت لا تحزني لأني ذاهب إلى القضاء على الإسلام وحرق القرآن». اليوم وبعد كل الحملات التي استهدفت الطعن في مصداقية القرآن عقيدة وشريعة وأخلاقا، وأمام الضعف العام الذي يعيشه العالم الإسلامي، وفي غياب شوكة الإسلام الرادعة، وأمام إلجام أفواه العلماء والدعاء وإخصاعهم للخطاب السياسي الرسمي المتحكم والمستبد، تجرأ اليمين السويدي المتطرف مستغلا حرية التعبير غير المسؤولة، ومناخ العداء السافر للإسلام وأصوله، ليسمح رسميا بإهانة ملياري مسلم في العالم، وفي يوم احتفالهم بعيد الأضحى وأمام المسجد، وعلى مرأى من المصلين، من خلال ترخيص السلطات السويدية لشخص بتمزيق “المصحف الشريف” ومسح حذاءه بأوراقه، ثم القيام بحرقه.
إن هذا الفعل البربري البشع غير الإنساني، لا يمكن اعتباره حدثا عابرا، كما لا يجوز لأي مسلم فيه ذرة من الإيمان أن يتساهل أو يطبع معه، فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب بالنسبة لنا كمسلمين، بل هو كلمة الله ونوره وأمره الحكيم الذي يمثل القداسة في أعلى مقاماتها وأسمى درجاتها. إن المساس بالقرآن الكريم والسكوت عنه معناه إطفاء جذوة الإيمان في القلوب وقتل نخوة الإسلام في النفوس.
غير أن هذا الفعل الممقوت لا يجب أن يجر المسلمين إلى مجابهته بالعنف أو مواجهته بازدراء معتقدات الغير، وإنما ينبغي أن نتخذه فرصة لتحقيق عدة أهداف منها:
✓ تذكير الأمة الإسلامية بضرورة العودة إلى أخلاق القرآن الكريم وتوجيهاته وقيمه وتقديم أرقى صورة له على مستوى الحياة العمليه.
✓ تحميل العلماء والدعاة مسؤولية الدود عن القرآن الكريم عبر منابرهم المسجدية والإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.
✓ القيام بحملة عالمية للتعريف بالقرآن كل من موقعه وحسب تخصصه.
✓ مراسلة المنظمات الدولية وتحميلها مسؤولية السماح والسكوت عن المساس بمقدسات الشعوب والأمم، لما قد يسبب فيه من نشر الكراهية ونفسي ظاهرة العنف.
✓ تحسيس وتوعية المسلمين بما يحاك ضد هويتهم الدينية وأمنهم الروحي، وما تتطلبه المرحلة من تظافر الجهود والوقوف صفا واحدا في وجه كل من تسول له نفسه المساس بمقدساتهم الروحية.
✓ العمل على غرس القرآن في نفوس الناشئة، وتشجيع محاضن ودور القرآن دخل المدن والأحياء، وإكرام أهلها وتشجيع الأبناء على الانخراط فيها، مع الحرص على تطوير أدواتها البيداغوجية حتى تواكب ميولات الناشئة وترغبهم في الحفظ.
✓ السعي إلى تحرير المساجد وجعلها مؤسسات دينية تتجاوز الصلوات الخمس لاحتضان الناس وإيوائهم لقراءة القرآن وحفظها.
✓ الاعتناء بالقرآن الكريم والسنة النبوية في البرامج والمواد الدراسية حتى تؤدي المدرسة دورها في غرس قيم وأخلاق القران الكريم.
✓ المطالبة بوضع تشريعات محلية ودولية تجرم المساس بالمقدسات والأمن الروحية لكل الأمم والشعوب.
إن كل ما يتعرض له القرآن الكريم اليوم ينطبق عليه قوله تعالى: «‏لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ» فلعل ما يقع يوقظ الأمة من سباتها، ويبعث فيها روح الأمانة تجاه مقدساتها، كما من شأنه أن يُلفِت نظر العالم إلى نور الهداية خاصة وأنها تعيش قلقا وجوديا وانحطاطا أخلاقيا غير مسبوقين، ما يجعل مسؤولية المسلمين اليوم مضاغفة، أولا في تمثل قيمهم وأخلاقهم القرآنية الربانية، ثم ثانيا بتبني خطاب الرحمة والتبشير والمجادلة بالتي هي أحسن، والتخلي عن اعتبار الغرب دار حرب، بل أمة دعوة في حاجة لمن ينتشلها من الفراغ الروحي الذي خلفته الدولة العلمانية الحديثة، فإذا ما تكامل وتعاون حاملو مشعل الدعوة مع حاملي مقومات التقدم العلومي ستنبعث حضارة جديدة يستعيد فيها الإنسان كرامته وإنسانيته.

✍️ بقلم : الدكتور فؤاد هراجة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق