في خطوة تعكس التزامًا واضحًا بالتوجيهات الملكية السامية، رسمت الحكومة المغربية ملامح مشروع قانون المالية لسنة 2026، محددة أربع أولويات كبرى تمثل دعائم مرحلة جديدة من التحول الوطني. هذه الأولويات، كما وردت في المذكرة التوجيهية التي وجهها رئيس الحكومة إلى القطاعات الوزارية، لا تقتصر على الأرقام والمؤشرات، بل تحمل رؤية استراتيجية شاملة تمزج بين الإقلاع الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتضع المواطن في قلب السياسات العمومية.
أولًا: تعزيز الإقلاع الاقتصادي
يرتكز المشروع على دينامية استثمارية قوية، تهدف إلى ترسيخ مكانة المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية، من خلال تطوير المهن العالمية للمملكة، وتحفيز التصنيع المحلي، وتعبئة روافع النمو. هذه الرؤية تنسجم مع خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، الذي دعا فيه إلى تسريع وتيرة التنمية وتعزيز التنافسية الوطنية.
ثانيًا: التوازن بين التنمية والعدالة المجالية
في ظل التفاوتات الاجتماعية والمجالية التي تعاني منها بعض المناطق، يضع المشروع تقليص الفوارق في صلب أولوياته، عبر إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، ترتكز على تثمين الخصوصيات المحلية وتكريس الجهوية المتقدمة. الهدف هو تحقيق تنمية مندمجة وشاملة، تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الجهات.
ثالثًا: توطيد أسس الدولة الاجتماعية
يأتي هذا التوجه في سياق تعزيز العمل الاجتماعي للدولة، من خلال تعميم الدعم المباشر، وتوسيع التغطية الصحية والاجتماعية، وتيسير الولوج إلى السكن، وتحسين القدرة الشرائية للأسر. إنها مقاربة تستهدف الفئات الهشة، وتكرّس مبدأ الاستهداف والنجاعة في تنفيذ السياسات العمومية.
رابعًا: تسريع الإصلاحات الهيكلية
يهدف المشروع إلى مواكبة الدينامية الاقتصادية والاجتماعية عبر تحديث المؤسسات، وتبسيط المساطر، ورقمنة الخدمات، وتكريس القرب من المواطن. كما يلتزم بالحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، عبر التحكم في المديونية، وخفض عجز الميزانية، وتحقيق معدل نمو يُتوقع أن يبلغ 4.5% سنة 2026.
أرقام واعدة.. ولكن التحديات قائمة
بحسب المذكرة التوجيهية، تتوقع الحكومة أن ينخفض عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام، وأن يستقر معدل المديونية في حدود 65.8%. هذه المؤشرات، وإن كانت مشجعة، تظل رهينة بمدى قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات المعلنة، وتجاوز التحديات المرتبطة بتقلبات السوق الدولية، وتداعيات التغير المناخي، والضغط على الموارد المائية.
مشروع قانون المالية لسنة 2026 ليس مجرد وثيقة تقنية، بل هو تعبير عن إرادة سياسية لتكريس نموذج تنموي جديد، يضع المواطن في صلب الاهتمام، ويؤسس لمرحلة عنوانها: مغرب العدالة، مغرب الكفاءة، مغرب التضامن.
تقرير: محمد فتاح




