بعد دخول القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ في 24 غشت 2026، برزت من جديد أسئلة كانت قد رافقت النقاش حول مشروعه منذ مرحلة الإعداد، خاصة تلك المرتبطة بموقع المتقاضي في المسطرة القضائية وحدود مباشرته لدفاعه بنفسه في ظل تنظيم التمثيل بواسطة المحامي، وهو نقاش يعيد إلى الواجهة التساؤل الجوهري حول مدى انسجام القيود الإجرائية مع الفصل 118 من الدستور الذي ينص صراحة على أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون،
وفضلاً عما أخذه هذا النقاش من حيز ضمن الجدل المهني والقانوني الذي رافق إضراب المحامين سنة 2024، حيث امتد إلى الحديث عن التمثيل الذاتي للمتقاضي، وما إذا كان من حقه أن يتولى الدفاع عن نفسه دون الاستعانة بمحام، وما هي الحدود التي يمكن أن يرسمها القانون لهذا الحق، ورغم دخول القانون الجديد حيز التطبيق، لا يزال يطرح عدة تساؤلات في بعض مواده بين المهتمين ومهنيي القطاع، وهنا يطرح سؤال أكثر أهمية بالنسبة إلى المتقاضي غير المتخصص الذي قد يجد نفسه أمام نصوص تحتاج إلى قراءتها في ارتباط بعضها ببعض لفهم حدود هذا الحق.
ومن بين المسائل التي تستحق التوقف عندها مسألة التمثيل بواسطة المحامي وحدود إمكانية مباشرة المتقاضي لدفاعه بنفسه، خاصة في ظل التمييز الذي أقامه القانون بين المسطرة الكتابية والمسطرة الشفوية، فقد جعل المسطرة الكتابية هي الأصل أمام محاكم الدرجة الأولى، وفق ما تنص عليه المادة 95، وحدد في المادة 96 الحالات التي تكون فيها المسطرة شفوية، بما يعني أن الانتقال من الأصل إلى الاستثناء مرتبط بحالات حددها القانون نفسه، ومن ثم فإن القول بأن للمتقاضي إمكانية الدفاع عن نفسه لا يعني بصورة تلقائية أنه أصبح مخيرًا في جميع الدعاوى والمساطر بين الاستعانة بمحام ومباشرة دعواه بنفسه، وإنما يتعين تحديد نطاق هذا الحق بالرجوع إلى مجموع المقتضيات المنظمة للمسطرة.
ومن بين المقتضيات التي تكتسب أهمية في هذا السياق ما جاء به القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي دخل حيز التنفيذ في 20 غشت 2026، حيث جعلت المادة 33 منه الترافع والمؤازرة والدفاع والتمثيل من اختصاص المحامي، مع استثناء الحالات التي حددتها المادة 38، ومن بينها القضايا التي تطبق فيها المسطرة الشفوية، وهو ما يجعل فهم حدود التمثيل بالمحامي مرتبطًا بقراءة هذه المقتضيات في علاقتها مع قواعد المسطرة المدنية، ومن ثم فإن القول بأن للمتقاضي إمكانية الدفاع عن نفسه لا يعني بصورة تلقائية أنه أصبح مخيرًا في جميع الدعاوى والمساطر بين الاستعانة بمحام ومباشرة دعواه بنفسه، وإنما يتعين تحديد نطاق هذا الحق بالرجوع إلى مجموع المقتضيات المنظمة للمسطرة والتمثيل أمام القضاء.
وهنا يبرز إشكال آخر لا يتعلق فقط بمضمون القاعدة، وإنما بكيفية فهمها من طرف المتقاضي غير المتخصص، فالإشارة إلى إمكانية الدفاع الشخصي قد تعطي عند قراءتها منفردة انطباعًا بأن المجال مفتوح أمام المتقاضي لمباشرة دعواه دون محام، بينما قد تقود قراءة النصوص في ترابطها إلى نتيجة أكثر تضييقًا، مفادها أن التمثيل بالمحامي يظل هو الأصل في المجالات التي تخضع للمسطرة الكتابية، وأن التمثيل الشخصي يرتبط بالحالات التي استثناها القانون، وهنا يظهر الفرق بين الاعتراف بحق الدفاع وبين إتاحة ممارسة جميع إجراءات الدعوى بصورة شخصية ودون محام، فالحق في الدفاع ثابت دستوريًا، لكن طريقة ممارسته وشروطها تظل خاضعة للتنظيم الإجرائي الذي يضعه المشرع.
ومن هذه الزاوية يصبح من المشروع طرح سؤال حول مدى وضوح هذه الحدود بالنسبة إلى المتقاضي، فإذا كان التمثيل بواسطة المحامي هو الأصل في المساطر الكتابية، وكان التمثيل الشخصي مرتبطًا بحالات استثنائية محددة، فهل جاءت صياغة المقتضيات بالقدر الذي يجعل هذه الحدود واضحة منذ البداية، أم أن الجمع بين النصوص التي تتحدث عن التمثيل بالمحامي وتلك التي تفتح المجال في حالات معينة أمام مباشرة المتقاضي لدفاعه بنفسه قد يخلق لدى غير المتخصص انطباعًا أوسع من نطاق الحق الذي منحه له القانون؟
وهنا لا يتعلق الأمر بالقول أن هناك تعمدًا لتقديم المقتضيات في صورة تختلف عن حقيقتها القانونية، فإثبات مثل هذا القصد يحتاج إلى معطيات تتجاوز النصوص نفسها، وإنما يتعلق بمدى وضوح الصياغة التشريعية وأثرها المحتمل على فهم المواطن، خصوصًا أن الخطأ في فهم قاعدة إجرائية قد تكون له نتائج عملية، كفقدان أجل أو عدم قبول إجراء أو طلب، فالتشريع لا يخاطب رجال القانون وحدهم، وإنما يخاطب كذلك المواطن الذي يجد نفسه أمام القضاء ويحتاج إلى معرفة ما إذا كان يستطيع مباشرة دعواه بنفسه أم أن القانون يفرض عليه الاستعانة بمحام.
ومن هنا فإن الإشكال لا يكمن في وجود الاستثناءات في حد ذاتها، ولا في إقرار القانون للمتقاضي في بعض الحالات إمكانية مباشرة دفاعه بنفسه، وإنما في أن يكون الحد الفاصل بين الأصل والاستثناء واضحًا بما يكفي، لأن المتقاضي الذي يفهم من النص أنه يستطيع الدفاع عن نفسه ثم يكتشف عند مباشرة دعواه أن طبيعة المسطرة تفرض عليه التمثيل بواسطة محام، قد يجد نفسه أمام وضع إجرائي لم يكن يتوقعه، وهو ما يجعل وضوح القاعدة جزءًا من سهولة الولوج إلى العدالة وفهم شروط ممارستها.
وفي النهاية، فإن النقاش حول التمثيل بالمحامي في ظل قانون المسطرة المدنية الجديد لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد جدل حول ما إذا كان المحامي إلزاميًا أو اختياريًا، وإنما إلى سؤال أوسع يهم المتقاضي قبل غيره، هل استطاع المشرع أن يحدد بصورة واضحة متى يكون قادرًا على مباشرة دفاعه بنفسه، ومتى يصبح حضور المحامي لازمًا؟ فبين الاعتراف الدستوري بحق التقاضي والدفاع، وبين تنظيم طريقة ممارسته وتمكين صاحبه من معرفة حدوده، توجد حلقات مترابطة، وكلما كانت هذه الحدود أكثر وضوحًا، كان ذلك أقرب إلى تحقيق الغاية التي يفترض أن يخدمها التشريع، وهي تسهيل ممارسة الحق في التقاضي وضمان فهم قواعده.
المصطفى اخنيفس




