في ظل الأحداث الأخيرة التي شهدتها الساحة السياسية المغربية، تتجدد التساؤلات حول مدى التزام ممثلي الأمة بمبادئ الحكامة الجيدة وحسن التدبير، خاصة في ظل الفضيحة التي طالت المستشارة بمجلس فاس، سارة خضار، والتي تم تسليمها إلى السلطات المغربية من قبل السلطات الإماراتية بعد توقيفها في مطار دبي. هذه الحادثة تفتح الباب أمام نقاش عميق حول آليات الرقابة على أداء المنتخبين ومدى التزامهم بأمانة تمثيل المواطنين.
تُظهر قضية سارة خضار، التي تشغل منصب نائبة رئيس مقاطعة سايس بفاس، جانبًا مظلمًا من الممارسات السياسية التي قد تتعارض مع مبادئ الشفافية والنزاهة. وفقًا للتحقيقات، كانت خضار متورطة في شبكة فساد مرتبطة بالبرلماني السابق عبد القادر البوصيري، الذي حُكم عليه بثماني سنوات سجن نافذة. وتشير الأدلة إلى أنها كانت تتوسط بين المقاولين والبوصيري للحصول على صفقات عمومية مقابل عمولات مالية، مما يطرح تساؤلات حول مدى انتشار هذه الممارسات في المؤسسات المحلية والوطنية.
هذه القضية ليست مجرد حالة فردية، بل هي مؤشر على خلل هيكلي في نظام الحكامة المحلية والوطنية. فكيف يمكن لمنتخبين أن يتحولوا إلى وسطاء في صفقات مشبوهة بدلًا من أن يكونوا حماة للمصلحة العامة؟ وما هي الآليات التي تتيح لمثل هذه الممارسات أن تستمر دون كشفها في الوقت المناسب؟ وهل يمكن أن تكون هذه الحالة مجرد قمة جبل الجليد في نظام يعاني من ضعف الرقابة والمحاسبة؟
من الواضح أن هذه القضية تثير تساؤلات حول فعالية آليات الرقابة القائمة، سواء على مستوى المجالس المحلية أو البرلمان. فإذا كانت المستشارة خضار قادرة على مغادرة البلاد قبل إغلاق الحدود في وجهها، ثم البقاء خارج المغرب لأكثر من عام قبل إلقاء القبض عليها، فهل هذا يعني أن هناك ثغرات في نظام متابعة ومراقبة المنتخبين؟ وهل يمكن أن تكون هناك حالات أخرى لم يتم الكشف عنها بعد؟
أحد الجوانب المقلقة في هذه القضية هو اعتراف البوصيري بعلاقته الغرامية بخضار وتورطها في الوساطة لصالح مقاولين للحصول على صفقات عمومية. هذا الاعتراف يسلط الضوء على كيفية استغلال المناصب العامة لتحقيق مكاسب شخصية، مما يضعف ثقة المواطنين في مؤسساتهم المنتخبة. فإذا كان من الممكن أن تتحول العلاقات الشخصية إلى قنوات للفساد، فكيف يمكن ضمان أن تكون القرارات المتخذة في المجالس المحلية والبرلمان تعكس المصلحة العامة وليس المصالح الخاصة؟
علاوة على ذلك، تشير التحقيقات إلى أن أغلبية سندات الطلب كانت تُمنح بشكل مباشر لشركات معينة، مع تزوير محاضر فتح الأظرفة. هذه الممارسات تظهر أن الفساد قد يكون متجذرًا في العمليات الإدارية اليومية، مما يتطلب إصلاحات جذرية في نظام الصفقات العمومية وآليات الرقابة عليها.
في النهاية، تطرح قضية سارة خضار تساؤلات أكبر حول أمانة ممثلي الأمة ومدى التزامهم بمبادئ الحكامة الجيدة. فهل يمكن أن تكون هذه الحالة نقطة تحول نحو تعزيز الشفافية والمحاسبة في المؤسسات المحلية والوطنية؟ أم أنها مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الفضائض التي تظهر بين الحين والآخر دون أن تؤدي إلى تغيير حقيقي في النظام؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإصلاح النظام وتعزيز آليات الرقابة، بما يضمن أن تكون المناصب العامة أمانة في عنق من يشغلها، وليس وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة.
هشام التواتي




