الداخلة ..السياج الحديدي المحيط بالجماعة بين الحماية والعزلة

ابراهيم
ثقافةقضايا عامة
ابراهيم14 مايو 2025آخر تحديث : منذ سنة واحدة
الداخلة ..السياج الحديدي المحيط بالجماعة بين الحماية والعزلة
الداخلة ..السياج الحديدي المحيط بالجماعة بين الحماية والعزلة

في زمن تتغير فيه مفاهيم السلطة، ويُعاد فيه تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسات، يصبح شكل المبنى أكثر من مجرد معمار… يصبح رسالة.

مقر جماعة الداخلة الجديد، بعد التهيئة، يطل علينا بسياج حديدي ثقيل، كأنه يهمس للمارين: “اقتربوا ولكن لا تلامسوا”. وهنا، تقف الأسئلة في الطابور، تنتظر جواباً لا يُقال، بل يُجسّد.

ما معنى أن تُحاط مؤسسة تمثل الساكنة بسياج؟ أهو للحماية؟ حماية ممن؟ أهو لتأمين الموظفين؟ أم لتأمين فكرة ما عن المسافة بين الحاكم والمحكوم، بين المواطن وفضائه؟ هل نحن بصدد تكرار نفس أخطاء التسييج الرمزي الذي جعل الإدارات، على مرّ السنين، تُشبه القلاع أكثر مما تُشبه بيوت الجماعة؟

ألا يحق لنا أن نتخيل هذا الفضاء وقد تحول إلى ساحة عمومية، فضاء مفتوحاً لا يحتاج لتأشيرة بصرية ولا عبوراً مراقباً؟ ألا نستحق أن نُقابل من يمثلنا بدون قضبان، ولو كانت من حديد مزخرف؟

في مدينة الداخلة، حيث البحر منفتحٌ على الأفق بلا حدود، من المؤلم أن تُغلّف المؤسسات المحلية بروح الانغلاق. فهل يُعقل أن تكون المحكمة الابتدائية لقضاء الأسرة – بوزنها المؤسساتي وأهميتها الأمنية – قد تلقت تعليمات وزارية لإزالة السياج وفتح الفضاء للعموم، بينما جماعة تمثل عمق الساكنة تُصر على تسييج ذاتها؟ أليس في ذلك مفارقة تستحق التأمل؟

إن التسويق الترابي لا يُبنى بالشعارات، بل بالصورة الأولى، بالإحساس العابر، بالمساحة التي يشعر فيها المواطن أنه غير مرصود، غير مُبعد. من هنا تبدأ الثقة… من الباب المفتوح، من الحديقة التي يمكن للطفل أن يلعب فيها، من المقاعد التي تجلس عليها العجائز في صباح دافئ، أمام مؤسسة تحمل وجهاً إنسانياً لا وجه إدارة.

ولعلنا هنا لا نطلب معجزة، بل نطمح فقط إلى أن نُعيد الحياة إلى فضاء يجب أن يكون قلباً نابضاً لا رُكناً مظلماً. لا نريده أن يتحول، لا رمزياً ولا فعلياً، إلى مستودع للجمجمة والذاكرة المهملة. فقد عرف المقر الجماعي في وقتٍ مضى حادثاً غريباً ومؤلماً، حين اكتُشفت جماجم بشرية أثناء أشغال تهيئته… حادث لا يُمكن أن يُمحى من ذاكرة المدينة بسهولة، لأنه أعاد للواجهة سؤالاً عميقاً: ما الذي ندفنه حين نغلق الفضاءات؟ أهو التاريخ؟ أم مجرد بقايا إنسان؟

نحن لا نطلب فتح ملفات الماضي، ولكننا نطلب فتح الأبواب… لا نطالب بتفسير الجماجم، بل بإحياء الجماعة. لا نريد لهذا الفضاء أن يُختزل في رمزية الغموض أو ذاكرة القبور، بل نريده ساحةً تُنبت فيها الحياة، تُزرع فيها الورود، وتُسمع فيها ضحكات الأطفال.

فلنعد التفكير في أسوارنا، لأن من يبني حول نفسه سياجاً، يخشى الداخل أكثر من الخارج.

بقلم: علي الزهواني

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق