
تمارس سلوى إدريسي والي، في مجموعة “بؤساء لم يصادفهم هوغو”، فعل الكتابة بوصفه مساءلة للواقع، لا تزويقه. تلتقط الكاتبة الكسر اليومي المتكرر الذي لا يحتفي به أحد، وتحوّله إلى مادة سردية نابضة. حيث لا نقرأ “البؤس” كحالة اجتماعية لشخوص آدمية وإنما كوعي جارح وكسؤال أخلاقي عن الخذلان، النجاة والحدود القصوى للألم.
لا تسكن شخصيات هذه القصص الهامش بل تصرخ من داخله لأن الصمت لم يعد مجديًا. الأوغاد، المتواطئون، النساء المجروحات، الأزواج الخائبون، الشوارع المتسخة، الأجساد المرهقة… كلها مكونات لعالم سردي يقترب من الواقعية الحادّة، دون أن يقع في التقريرية أو الوعظ. بلغة مشدودة، مباشرة، وغالبًا مشحونة بالألم، تفتح إدريسي والي مساحات لاعترافات غير بطولية، لكنها عميقة الصدق.
تشتغل النصوص على ثنائية “الانكسار/التماسك”، حيث تبدو الذات الساردة مأزومة، لكنها واعية بأزمتها، تقلب الطاولة على الصور النمطية عن الفقر، الأنوثة، أو حتى الحب. ففي قصة محورية، تكتب الساردة: “الفقير جائع، والجوع يُخرج الوحش الكامن في الإنسان”، في إدانة جريئة للمخيال الرومانسي الذي ربط الفقر بالنبل.
تُجيد الكاتبة اقتناص تفاصيل الجسد في اشتباكه مع الألم، كما في شخصية المرأة المهاجرة التي تعاني خذلان الحب والهوية، أو الزوجة التي تواجه شبحًا قديمًا في المرآة. لا تقدم النساء في مجموعة “بؤساء لم يصادفهم هوغو” كضحايا كما اعتدنا في الخطاب النسائي، بل ككائنات تفكك هشاشتهن ويواجهن العالم ولو بانكسار.
ما يميز هذا العمل هو قدرته على تحويل اليوميّ والمبتذل إلى سؤال أدبي، وعلى انتزاع الأدب من تعاليه، وإغراقه فيما هو محسوس، ومتروك عادة للصمت.
“بؤساء لم يصادفهم هوغو” ليست مجرد مجموعة قصصية، بل وثيقة سردية عن الجانب الآخر من الحياة: ذلك الذي لا تصوره الكاميرات، ولا تُبنى عليه الأساطير لكنه يخصّنا جميعًا.
مصطفى الحلوي

