شهدت عدة شوارع بمدن مغربية نهاية الأسبوع الماضي ومساء امس سلسلة احتجاجات شعبية شبابية ، تميزت بتدخل أمني أثار استغراباً واسعاً داخل البلاد وخارجها. لقد كان من المفترض أن تشكل هذه الأحداث فرصة للدولة لاستعراض قدرتها على التعامل مع الخلافات الاجتماعية والسياسية بروح من الانفتاح والمسؤولية، لكن الواقع أظهر عكس ذلك، حيث تأثرت صورة المؤسسات وأثارت تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي نقلت مشاهد بدت كدليل على ضعف الثقة بين المواطنين والسلطة، إذ عندما يُمنع الاحتجاج السلمي أو يُقابل بالقوة المفرطة، تتضاءل الشرعية التي يمنحها الدستور لحق التعبير، ما يخلق فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والواقع العملي، ويؤثر سلباً على صورة الدولة داخلياً وخارجياً.خلال السنوات الماضية، حاولت الحكومة تسويق إنجازات اقتصادية واجتماعية عبر حملات إعلامية مكثفة، إلا أن الكثير من المواطنين لم يشعروا بتحسن ملموس في ظروف حياتهم، بل ازدادت لديهم معاناة غلاء المعيشة وتدهور الخدمات الأساسية. وتكشّف هذا التناقض جلياً مع أحداث نهاية الأسبوع، إذ لوحظ عجز أو تردد الأجهزة الحكومية في إدارة هذه الأزمة، مما ترك المجال للأجهزة الأمنية للتعامل بطرق ارتبكت فيها المواقف.ازدادت حالة الإحباط والتشكيك لدى قطاعات واسعة من المجتمع بخصوص أن القرارات العامة لم تعد تتخذ لمصلحة الجميع، بل تحت تأثير ضغوط لوبيات اقتصادية تتحكم في قطاعات حيوية، وهو شعور يعزز حالة الانعدام في الثقة ويدفع الكثيرين إلى اعتبار الاحتجاج الوسيلة الوحيدة للتعبير عن مطالبهم في وجه نظام يبدو مغلقاً على النقد والمساءلة.تؤكد الأحداث الأخيرة أن اعتماد الحل الأمني فقط ليس كافياً وقد يفاقم من الأوضاع سياسياً واجتماعياً، خصوصاً وأن المجتمع المغربي شهد تحولات في وعيه وتطلعاته خلال السنوات القليلة الماضية، ولم يعد يرضى بالحلول الترقيعية أو الخطابات المطمئنة غير المترجمة على أرض الواقع. ومن هنا يبرز ضرورة اعتماد مقاربة جديدة تقوم على فتح قنوات حوار حقيقية تضمن ممارسة الحقوق الدستورية دون تضييق، وتنفيذ سياسات حساسة تعطي للمواطن شعوراً بالاحترام والكرامة.
ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد أزمة لحظية بين مواطنين وأجهزة أمن، بل هو انعكاس لأزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع، تحتاج إلى شجاعة سياسية ورؤية إصلاحية واضحة تتجاوز إدارة الأزمات إلى بناء توافقات وطنية وصناعة مستقبل مشترك. وإلا فإن استمرار الوضع كما هو سيؤثر سلباً على صورة الدولة وقدرتها على التعامل مع التحديات التنموية والاقتصادية الملحّة.




