في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المطالبة بتحسين الخدمات الصحية وتكريس الحق في العلاج كحق دستوري، تبرز مفارقات صارخة بين المبادرات الظرفية التي تُطلقها الجهات الصحية، وبين الواقع الاجتماعي اليومي الذي يعيشه المواطن المغربي، سواء في حياته العامة أو داخل المستشفيات والمراكز الصحية، فبين حملات موسمية تُروّج كحلول عاجلة وتوجه متسارع نحو خصخصة القطاع، تظل الحاجة إلى إصلاح جذري وشامل للمنظومة الصحية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ففي إطار الحملات الطبية الروتينية التي تهدف إلى تقليص عدد المواعيد وتحسين الولوج إلى العلاج، والمناسبات الموسمية التي تتكثف فيها التدخلات الصحية في بداية كل موسم شتاء، مستهدفة المناطق الجبلية والنائية التي تعاني من قساوة المناخ وتفاقم العزلة ونقص الخدمات الأساسية، وتعلن الجهات الصحية، في هذا السياق عن تعبئة موارد بشرية ومادية مهمة تشمل أطباء، ممرضين، وحدات طبية متنقلة، وأدوية، في محاولة لتقليص الفجوة الصحية بين المركز والهامش، وتُقدَّم هذه الحملات كمظهر من مظاهر العناية بالفئات الهشة، لاسيما في ظل الظروف المناخية القاسية.
لكن ورغم أهمية هذه المبادرات من حيث المبدأ، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول مدى فعاليتها واستدامتها، فهل يمكن لحملات ظرفية مهما بلغت من التنظيم أن تعوّض غياب بنية صحية متكاملة؟ وهل تكفي هذه التدخلات الموسمية لمعالجة اختلالات بنيوية يعاني منها القطاع الصحي منذ سنوات؟ الواقع اليومي للمواطن المغربي يجيب بالنفي: اكتظاظ في المستشفيات، خصاص مهول في الأطر الطبية، ضعف في التجهيزات، وارتفاع في تكاليف العلاج، كلها مؤشرات على أزمة عميقة لا تُحلّ بالمسكنات.
إن مستشفيات المملكة تحتاج إلى تجهيزات حديثة وتأهيل بشري يواكب النمو الديمغرافي وتزايد الطلب على الخدمات الصحية عوض الاكتفاء بحملات موسمية لا تضمن استمرارية الرعاية ولا تعالج جذور الإشكال، فالصحة ليست امتيازاً ظرفياً، بل حق أصيل من حقوق الإنسان، ومطلب جماعي للمغاربة، خاصة في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ورغم رفع ميزانية الصحة في مشروع قانون مالية 2026 إلى 32.6 مليار درهم، فإن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة تحسناً في جودة الخدمات، بل قد يكون جزءاً من مسار إعادة هيكلة القطاع وفق منطق الشراكة مع القطاع الخاص، هذا التوجه الذي يتجلى في تعميم التأمين الإجباري عن المرض وإحداث المجموعات الصحية الترابية وتوسيع الاستثمار في البنية التحتية، يثير مخاوف من أن تتحول الصحة إلى مجال للمضاربة بدل أن تبقى خدمة عمومية قائمة على مبدأ العدالة الاجتماعية.
فالخطاب الرسمي الذي يربط هذه الإصلاحات بالاستجابة لمطالب الشارع قد يبدو مطمئناً، لكنه لا يصمد أمام تحليل تسلسل السياسات العمومية التي لطالما اتجهت نحو تقليص دور الدولة في الخدمات الاجتماعية استجابة لتوصيات مؤسسات مالية دولية، وهنا يصبح من المشروع التساؤل: هل الهدف هو تحسين صحة المواطن، أم تهيئة القطاع ليكون أكثر جاذبية للاستثمار؟
في نهاية المطاف، الواقع يثبت ان المواطن المغربي لا يحتاج إلى مبادرات موسمية تنتهي بانتهاء فصل الشتاء، بل إلى سياسة صحية شمولية، تضمن له الحق في العلاج الكريم والمجاني في حدوده الدنيا، وتؤسس لنظام صحي عمومي قوي، عادل، ومستدام، بعيداً عن منطق السوق والمقاربة التجارية لصحة الإنسان.
المصطفى اخنيفس




