بين الحزب والحكومة.. أسئلة مفتوحة حول المسؤولية والشرعية السياسية

ابراهيم
قضايا عامة
ابراهيم10 فبراير 2026آخر تحديث : منذ شهرين
بين الحزب والحكومة.. أسئلة مفتوحة حول المسؤولية والشرعية السياسية

من الحزب إلى الحكومة أين تنتهي الشرعية وأين تبدأ المسؤولية؟ تُثار في النقاش العمومي المغربي، بين الحين والآخر، أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقة بين العمل الحزبي وتدبير الشأن الحكومي، وحول الحدود الفاصلة بين الشرعية الانتخابية والممارسة التنفيذية، وغالباً ما تبرز هذه الأسئلة في لحظات سياسية مفصلية، حين تتغير موازين القيادة داخل الأحزاب، بينما تستمر الوجوه نفسها في مواقع القرار الحكومي، وهو نقاش لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يرتبط بنموذج تدبير السلطة، وبمدى انسجامه مع منطق التفويض الديمقراطي وروح الدستور.

ماذا يتغيّر عندما تتبدل القيادة الحزبية وتستمر السلطة التنفيذية؟ في التجربة الحكومية المغربية كثيراً ما يُقدَّم الفصل بين المسؤولية الحزبية والمنصب الحكومي باعتباره أمراً عادياً، بل ومطلوباً أحياناً بدعوى النجاعة واستمرارية العمل، غير أن هذا الطرح حين يُسقَط على الواقع السياسي يكشف عن مفارقات عميقة تمس جوهر الشرعية السياسية ومنطق المحاسبة.

فخلال الولايات الحكومية المتعاقبة، برزت حالات متعددة لمسؤولين حكوميين غادروا مواقعهم القيادية داخل أحزابهم، سواء الأمانة العامة أو القيادة التنظيمية العليا، ومع ذلك استمروا في التمثيلية البرلمانية او تسيير قطاعات وزارية أو في رئاسة الحكومة نفسها، فرغم ان هذا الوضع من الناحية الدستورية لا يطرح أي إشكال شكلي، إذ إن التعيين في المناصب الحكومية يتم وفق المساطر الدستورية ولا يرتبط قانوناً باستمرار الصفة الحزبية، فالإشكال الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في السياسة كما تُمارَس فعلياً.

فالمنصب الحكومي، خاصة في حالة الوزراء ورئيس الحكومة، لا يُكتسب بمعزل عن الشرعية الحزبية والانتخابية، الناخب لا يصوّت لأشخاص معزولين، بل لمنظومات سياسية تقودها أحزاب وبرامج وقيادات واضحة، وعندما تنفصل القيادة الحكومية عن القيادة الحزبية التي قادت المعركة الانتخابية ينشأ فراغ رمزي في المسؤولية السياسية ويصبح من الصعب تحديد الجهة التي تتحمل تبعات الاختيارات والقرارات المتخذة.

هذا الوضع يخلق مفارقة واضحة، حكومة منبثقة عن أغلبية حزبية لكن دون تطابق فعلي بين من يقود الأحزاب ومن يدير السلطة التنفيذية، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول منطق التفويض الديمقراطي، وحول مدى استمرار الارتباط بين البرنامج الانتخابي الذي قُدِّم للمواطنين والسياسات العمومية التي يتم تنزيلها على أرض الواقع.

الأمر لا يتعلق بحالة معزولة أو ظرفية، بل بنمط تدبير سياسي أصبح يتكرر، حيث يتم التعامل مع الأحزاب كوسائل عبور انتخابي ومع المسؤوليات الحكومية كمسارات مستقلة نسبياً عن الرقابة الحزبية والمساءلة السياسية وهو ما يفرغ مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من مضمونه السياسي، ويحوّله إلى آلية مؤسساتية محدودة الأثر.

كما أن هذا الواقع يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، فحين يلاحظ الرأي العام أن قيادات حكومية وازنة لم تعد تتحمل مسؤولية حزبية مباشرة، ومع ذلك تستمر في اتخاذ قرارات كبرى باسم الأغلبية، يتعزز الإحساس بغياب الوضوح وبأن مراكز القرار الفعلي أصبحت أكثر تعقيداً وبعداً عن منطق التفويض الشعبي.

في الديمقراطيات ذات التقاليد الراسخة غالباً ما يُنظر إلى التلازم بين القيادة الحزبية والتنفيذ الحكومي باعتباره شرطاً للوضوح السياسي، لأن وحدة القيادة تسهّل المحاسبة وتحدد المسؤوليات، أما في الحالة المغربية فإن هذا الفصل “المريح” بين الحزبي والحكومي قد يضمن استقراراً مؤسساتياً مؤقتاً، لكنه في المقابل يرسّخ هشاشة سياسية بنيوية تتجلى آثارها مع كل نقاش حول الإصلاح أو تقييم الأداء الحكومي.

في المحصلة، لا تكمن الاشكالية في الأشخاص، بل في المنطق الذي يحكم تدبير السلطة، منطق يحتاج إلى مراجعة صريحة إذا كان الهدف هو الانتقال من ديمقراطية انتخابية شكلية إلى ممارسة سياسية تُحترم فيها الإرادة الشعبية وأكثر انسجاماً مع روح الدستور، والشرعية الانتخابية، وأقرب إلى تطلعات المواطنين في الوضوح والمساءلة، وتُحمَّل فيها المسؤولية لمن يفترض أنهم نالوا ثقة الناخبين باسم أحزابهم وبرامجهم.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق