
في حي هادئ في مدينة صغيرة، كان هناك رجل مسن يُدعى “الحاج علال”، كان يعيش بمفرده في منزل قديم على أطراف المدينة. لا أحد يعرف الكثير عن الحاج علال سوى أنه كان يملك ماضٍ غامضًا مليئًا بالحكايات العجيبة، كما كان يثرثر بين الحين والآخر بكلام غير مألوف، ما جعل جيرانه يظنون أنه مجنون. ورغم كبر سنه، كان الحاج علال يملك روحًا حية وحبًا للمتاعب.
كانت لديه عادة غريبة، حيث كان يخرج كل مساء للمشي في الشوارع الخالية بعد غروب الشمس، متحديًا عبث الزمان وأسرار الحياة. كانت تلك لحظاته المفضلة، حتى وإن كانت الأمطار تتساقط أو الرياح تعصف به. كانت الحكايات التي يرويها عن ماضيه مليئة بالغموض والمفاجآت.
ذات مساء، بينما كان الحاج علال يتنقل بين الأزقة الضيقة، صادف مجموعة من الشبان الذين كانوا يتجمعون في زاوية مظلمة، يضحكون ويثرثرون معًا. كانوا لا يهتمون بأحد، ولم يعيروا الحاج علال أي انتباه. لكنه، كما هي عادته، اقترب منهم بحذر. كان لديه شيء في ذهنه يريد أن يفعله.
قال الحاج علال بصوت غريب وهو يبتسم ابتسامة غامضة: “هل ترغبون في سماع قصة؟ قصة قد تغير حياتكم إلى الأبد؟”
استدار أحد الشبان بملل، قائلاً: “هل أنت مجنون؟ لا وقت لدينا لقصصك العتيقة.”
لكن الحاج علال لم يهتم. بل بدأ يحكي لهم عن “الكنز المفقود”، الكنز الذي يُقال إنه مدفون في أحد الأماكن المظلمة في المدينة. وقال إنه يعرف مكانه، وأشار إلى إحدى الزوايا المهجورة التي يمر بها كل يوم.
تغيرت ملامح الشبان، وبدأ بعضهم يقترب منه، متسائلين بفضول: “هل تقول الحقيقة؟ هل تعرف مكانه فعلاً؟”
قال “نعم، ولكني بحاجة إلى من يساعدني في الوصول إليه. يحتاج الأمر إلى من هم شجعان بما يكفي ليتبعوا ما أخبرهم به.”
طبعًا، لم يكن الحاج علال يقصد كنزًا حقيقيًا. كانت تلك مجرد خدعة من خدعه المفضلة. هو لم يكن إلا ليلهو ويتلاعب بمشاعر الآخرين. لكن الشبان، مفعمين بالحماس، قرروا أن يذهبوا معه. كانوا يظنون أنه فعلاً يعرف سرًا عميقًا.
قادهم إلى الزاوية المهجورة، حيث كانت هناك خزائن قديمة وأشياء مهجورة في المكان. بدأ يفتح بعضها ويقول: “هنا يوجد شيء ثمين، هنا توجد مكونات لثروتنا.”
أخذ الشبان يتفقدون المكان باندفاع. لكن مع مرور الوقت، بدأوا يكتشفون أنه لا يوجد شيء ثمين. الصناديق فارغة تمامًا. كانت تلك مجرد “حماقات” المسن الحاج علال، لكنهم لم يدركوا ذلك بعد.
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوت ضوضاء قادمة من الشارع. كانوا قد دخلوا في منطقة قديمة مهجورة، وكان المكان موحيًا بالخوف. بدأ الشبان يتساءلون عن قرارهم. “هل نحن في مكان آمن؟” قال أحدهم، وهو يشعر بقلق متزايد.
لكن “الحاج علال” كان يضحك بصوت منخفض، ضحكة مليئة بالغرابة والمرح. قال: “في هذه المدينة، كل شيء يبدو مهجورًا، لكن تحت هذا الخراب، هناك أسرار لا يعرفها أحد. وقد تكونوا أنتم أول من يكتشفها.”
ثم فاجأهم بجملة لم يتوقعوها أبدًا: “الكنز ليس في المال، بل في الحقيقة. الحقيقة التي عشتها طوال حياتي.”
صمت الجميع للحظة، لا يعرفون ماذا يعتقدون. لكن مع مرور الوقت، بدأوا يدركون أن الحاج علال، رغم كبر سنه، كان له منظور مختلف للحياة. هو لم يكن مجرد مسن يروي قصصًا أو يتسبب في “حماقات”. كان يريدهم أن يعرفوا شيئًا أكثر عن الحياة.
ثم بدأ يتحدث عن ماضيه، عن الأيام التي خسر فيها حبه الأول، وعن مغامراته التي كانت أكثر غرابة من أي شيء قد يراه الشبان في حياتهم. “كان الكنز الذي كنت أبحث عنه هو الحب والحقيقة التي دفنت في أعماقي.” قال الحاج علال بنبرة حزينة، بينما كان يراقب الشبان بعينين مليئتين بالأسرار.
في النهاية، عاد الجميع إلى منازلهم، وهم يشعرون بشيء غير مألوف في صدورهم. لم يكن الحاج علال قد كشف لهم عن كنز مادي، لكنهم اكتشفوا شيئًا أكبر: أن الحياة مليئة بالأسرار التي قد نحتاج إلى اكتشافها بأنفسنا.
وهكذا، استمر” الحاج علال” في عاداته الغريبة، ورغم أنه كان يتسبب في بعض “الحماقات”، إلا أن تلك الحماقات كانت تحمل دروسًا غير مرئية، دروسًا عن الحقيقة، والحب، والمغامرة.
بقلم: محمد فتاح

