
تحت سماء المغرب، تتعالى أصوات البنادق التقليدية، وتلهب عروض الفروسية ميادين الاحتفالات، حيث تتجسد روح “التبوريدة”، هذا الفن العريق الذي يروي تاريخ الفروسية المغربية ويدمج بين القوة والإيقاع، ليقدم لوحة فنية منسجمة تعبق بروح الأصالة.
لكن، وسط أهازيج الجمهور وأصوات البارود، يتبدى تساؤل مُلح: هل لا تزال هذه المهرجانات تُقام من أجل التراث فقط، أم أنها باتت تلعب دورًا يتجاوز الاحتفاء بالفروسية ليصل إلى ساحة السياسة؟ فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتكاثر هذه الفعاليات بشكل يثير تساؤلات حول إمكانية استخدامها كأداة للتموقع السياسي واستمالة الناخبين.
“بين التراث والاستغلال السياسي”
لا يمكن إنكار أن التبوريدة تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المغربية، وأنها تساهم في تعزيز السياحة المحلية ودعم الحرف التقليدية المرتبطة بها، لكن الوجه الآخر لهذا المشهد هو التمويل؛ إذ يتساءل المواطن المغربي عن مدى عقلانية تخصيص ميزانيات ضخمة لهذه المهرجانات في وقت تعاني فيه البلاد من تحديات اقتصادية تستدعي توجيه الموارد نحو قطاعات أكثر إلحاحًا كالصحة والتعليم.
كما أن توقيت تنظيم بعض مهرجانات التبوريدة، الذي يتزامن مع فترات الحراك السياسي، يفتح الباب أمام نظريات حول إمكانية استخدامها كوسيلة غير مباشرة للتعبئة الانتخابية، حيث تستغل الأجواء الاحتفالية والروح الجماعية لجذب الاهتمام الشعبي وترسيخ صور سياسية معينة.
“الشفافية في التنظيم: مطلب مُلح”
في ظل هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى وضع معايير شفافة لتنظيم هذه المهرجانات، بحيث تضمن تحقيق الأهداف الثقافية دون أن تتحول إلى منصات توظيف سياسي. فإقرار آليات واضحة لمحاسبة الجهات المنظمة وضبط الميزانيات يمكن أن يكون حلاً وسطًا بين الحفاظ على الموروث الثقافي وضمان استغلال عقلاني للموارد العامة.
” الحفاظ على روح التبوريدة”
وختاما تبقى التبوريدة أحد أعمدة التراث المغربي، لكن الحفاظ عليها يتطلب نظرة متوازنة تراعي البعد الثقافي دون إغفال الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية. فحينما يمتزج البارود بوعي جماعي يدرك أهمية التقاليد دون أن يغفل عن مقتضيات الواقع، حينها فقط ستظل التبوريدة رمزًا خالصًا للفروسية المغربية، بعيدًا عن صخب السياسة وأوجاع الاقتصاد.
بقلم : محمد فتاح

