تعيش ساكنة آزرو على وقع احتجاج رقمي واسع ومطالب متزايدة بحلول عاجلة في مواجهة واقع نقل متأزم، حيث تشهد المدينة في الآونة الأخيرة حالة من الاحتقان المتصاعد في قطاع النقل أعادت إلى الواجهة إشكالاً أعمق من مجرد خلاف حول التسعيرة وطرحت من جديد سؤال غياب بدائل حقيقية قادرة على تحقيق التوازن داخل هذا المرفق الحيوي خاصة في ظل الارتباط اليومي الوثيق مع مدينة إفران التي تستقطب عدداً مهماً من الموظفين والعمال القاطنين بآزرو.
ففي أعقاب الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات قبيل عيد الفطر تفاجأ المواطنون بإقدام فئة من سائقي سيارات الأجرة الصغيرة (الصنف الثاني) على رفع تسعيرة النقل بشكل أحادي عبر نشر ورقة تحدد أسعاراً جديدة دون أي ختم رسمي أو إشارة إلى جهة مخول لها قانوناً اتخاذ مثل هذا القرار، وهو ما يضع هذه الخطوة في خانة القرارات الفردية أو غير القانونية ويستوجب من الجهات المختصة فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات والكشف عن الجهة التي تقف وراء هذا القرار وترتيب الآثار القانونية اللازمة.
وقد فجّرت هذه الواقعة موجة غضب واسعة في صفوف الساكنة عبّرت عنها بقوة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يقتصر النقاش على رفض الزيادة بل تعداه إلى مساءلة واقع النقل برمته داخل المدينة، فبالنسبة لعدد كبير من المواطنين لم تعد المشكلة في دراهم إضافية بل في شعور متزايد بأن قطاعاً واحداً أصبح يتحكم في مصير تنقلهم اليومي، في ظل غياب أي منافسة حقيقية.
وفي هذا السياق يبرز واقع أزرو كحالة نموذجية تعكس اختلالاً بنيوياً واضحاً، فالمدينة رغم حجمها ومكانتها داخل الإقليم تتوفر فعلياً على كل المبررات الموضوعية لفتح باب النقل الحضري المنظم سواء عبر الحافلات أو من خلال توسيع دور سيارات الأجرة الكبيرة، غير أن هذا الاستحقاق يظل معلقاً ليس لغياب الحاجة بل لأن القرار في مثل هذه الملفات يبقى رهين توازنات معقدة تتداخل فيها اعتبارات سياسية ومهنية واقتصادية.
وفي غياب هذه البدائل يجد المواطن نفسه أمام وضع شبه احتكاري، حيث يتحول الطاكسي الصغير إلى المتحكم الوحيد في العرض بما يتيح له بشكل مباشر أو غير مباشر، فرض التسعيرة وشروط الخدمة، وهو ما يفسر حدة ردود الفعل الأخيرة التي لم تكن سوى تعبير عن تراكم طويل من التذمر سبق وأن عبّرت عنه الساكنة في أكثر من مناسبة من خلال مطالب بضرورة إدخال الحافلات أو السماح لسيارات الأجرة الكبيرة بالاشتغال داخل المجال الحضري.
غير أن النقاش حول الحلول يفرض بدوره قدراً من الواقعية، فالاعتماد على الطاكسي الكبير وحده خاصة في الخط الرابط بين آزرو وإفران لن يكون كافيا لتجاوز الإشكال، إذ سيبقي على نفس الاختلالات المرتبطة بعدم الانتظام وارتفاع التسعيرة بحكم طبيعة هذا النمط من النقل القائم على الامتلاء وتذبذب العرض، في المقابل يشكل إدخال الحافلات حتى بصيغة مصغرة خياراً أكثر استقراراً، من شأنه أن يحقق المنافسة ويضمن استمرارية الخدمة ويساهم في تخفيض التكلفة على المواطن.
ومن هنا يبرز تصور متوازن للحل يقوم على التكامل لا الإقصاء، فسيارات الأجرة الكبيرة تظل وسيلة مرنة وقادرة على تغطية بعض الحاجيات لكنها تفتقر إلى الاستقرار بينما توفر الحافلات خدمة منتظمة ومنظمة غير انها تحتاج إلى تأطير واستثمار، وبين هذا وذاك تبدو أزرو في حاجة إلى الجمع بين الخيارين بذكاء بدل الاستمرار في الاعتماد على نموذج واحد أثبت محدوديته.
إن ما تعيشه المدينة اليوم يعكس وضعاً أوسع يتكرر في عدد من المدن المتوسطة بالمغرب، حيث تتوفر الشروط الواقعية لإصلاح قطاع النقل لكن القرار السياسي أو الإداري لم يُتخذ بعد، وهو ما يجعل من حالة أزرو مثالاً كلاسيكياً لهذا التردد، حيث تظل الحاجة واضحة والحلول ممكنة لكن التنفيذ مؤجل.
وفي ظل هذا الواقع لم يعد دور المواطن يقتصر على التعبير عن الاستياء، بل أصبح مطالباً بالانتقال إلى أشكال أكثر تأثيراً من قبيل تنظيم عرائض جماعية وممارسة ضغط إعلامي محلي منظم وطرح الملف داخل دورات المجلس الجماعي وربطه بالبرامج الوطنية لتأهيل النقل الحضري، فمثل هذه الخطوات وحدها كفيلة بنقل الملف من دائرة النقاش الافتراضي إلى مستوى القرار الفعلي.
وبين واقع مفروض وآفاق ممكنة تبقى واقعة الزيادة الأخيرة مجرد عرض لمرض أعمق عنوانه غياب التوازن داخل منظومة النقل وحاجة ملحة إلى تدخل يعيد ترتيب هذا القطاع على أسس أكثر عدلاً وإنصافاً.
المصطفى اخنيفس




