في عالم كرة القدم، لا مكان للأحكام المسبقة ولا للاحتفالات المبكرة. فالتاريخ لا يسجل عدد التصريحات المتفائلة، بل يحفظ فقط ما يحدث فوق المستطيل الأخضر. ومع اقتراب مواجهة المنتخب الجزائري لمنافس يراه البعض أقل شأناً، ترتفع نبرة الثقة إلى حد اعتبار المباراة مجرد محطة شكلية في طريق “الخضر”. غير أن هذا النوع من التفكير غالباً ما يكون بداية السقوط لا مقدمة الانتصار.
المنتخب الجزائري يملك بلا شك من الإمكانات والخبرة ما يجعله مرشحاً للتفوق، لكن الترشيحات الورقية لم تكن يوماً ضمانة للفوز. كرة القدم الحديثة تحولت إلى ساحة لا تعترف بالأسماء وحدها، بل تكافئ الانضباط والروح القتالية والقدرة على استغلال أدق التفاصيل. وكم من منتخب دخل المباراة بثقة زائدة فخرج منها محملاً بالخيبة والندم.
الخطأ الأكبر الذي يمكن أن يقع فيه أي فريق قوي هو الاعتقاد بأن المنافس سيستسلم لمجرد فارق الإمكانات أو التصنيف. فالمنتخبات التي توصف بالمتواضعة غالباً ما تدخل هذه المواجهات بعقلية المحارب الذي لا يملك ما يخسره، بينما يجد الفريق المرشح نفسه تحت ضغط إثبات التفوق وتحقيق الفوز، وهو ضغط قد يتحول إلى عبء ثقيل إذا غابت الجدية والتركيز.
الجزائر اليوم لا تحتاج إلى سماع عبارات الاطمئنان بقدر ما تحتاج إلى استحضار ثقافة الاحترام الكامل للمنافس. فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بعدد النجوم الذين تملكهم، بل بقدرتها على خوض كل مباراة وكأنها نهائي مصيري. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لـ”محاربي الصحراء”: هل سيدخلون اللقاء بعقلية البطل الجائع للانتصار، أم بعقلية الواثق من نتيجة لم تُحسم بعد؟
الجماهير الجزائرية لا تنتظر مجرد ثلاث نقاط، بل تنتظر عرضاً يؤكد أن منتخبها يسير بثبات نحو الاستحقاقات الكبرى. تنتظر فريقاً يفرض شخصيته منذ الدقيقة الأولى، ويحسم الأمور بالجدية والانضباط لا بالرهان على الفوارق النظرية.
في النهاية، قد تبدو الطريق ممهدة على الورق، لكن كرة القدم لطالما سخرت من التوقعات وأسقطت ضحايا الغرور. لذلك فإن الرسالة الأهم قبل صافرة البداية واضحة وصارمة: من يستهين بمنافسه يفتح بيده أبواب المفاجأة، أما من يحترم المباراة ويقاتل من أجلها، فهو وحده من يستحق أن يغادر منتصراً.
بقلم/ سيداتي بيدا




