
إحتضنت جماعة املن يوم 14 غشت 2025، لقاء دراسيا خصص لدراسة واقع السياحة القروية والإيكولوجية بالمنطقة واستشراف آفاق تطويرها، باعتبارها رافعة أساسية للتنمية المحلية ومحركا لخلق فرص الشغل ودعما للاقتصاد وجاء هذا اللقاء لبحث الامكانيات المتاحة و المتوفرة لتثمين المؤهلات السياحية الغنية التي تزخر بها أملن، واستثمارها في تحقيق تنمية سياحية مستدامة تستفيد منها الساكنة و تجعل لدى المنطقة مكانة مهمة و كوجهة جذب متميزة.
وفي كلمته الافتتاحية، أشار الحسين الأحسيني، رئيس جمعية فستيفال تيفاوين، إلى أهمية موضوع اللقاء وراهنيته، معتبرا ان الاهتمام بقطاع السياحة على مستوى جماعة أملن ل ، باعتبارها رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأكد أن السياحة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي نشاط يساهم ايضا في التعريف بالموروث الطبيعي والثقافي المحلي، كما اعتبر أن هذا الاهتمام يتطلب الانخراط الجماعي لمختلف الفاعلين في بلورة رؤية مشتركة للنهوض بالقطاع، تقوم على تثمين المؤهلات المتوفرة، والابتكار في تقديم عروض سياحية تحاكي خصوصيات المنطقة وتلبي تطلعات الزوار.
من جهته اكد عبد الله غازي النائب البرلماني عن إقليم تيزنيت أن السياحة تمثل اليوم أحد أهم رهانات التنمية بمنطقة تافراوت عموما و بأملن على وجه الخصوص، مستشهدا بالتجربة التي انطلقت قبل عقدين مع بناء تصورات بخصوص طبيعة السياحة التي نريدها للمنطقة، والتي رسخت قناعة بأن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يشكل بديلا لتنمية المنطقة، خاصة في ظل التغيرات المناخية والتحولات الاجتماعية والديموغرافية و عوامل الهجرة. ودعا إلى تبني منهجية “المختبر التنموي الترابي” لبحث الإشكالات المرتبطة بالسياحة وتحديد نوعها وأهدافها، مع التركيز على مجالات محددة تحقق أثرا ملموسا، ولا سيما لفائدة الشباب و النساء و ساكنة المنطقة عموما.
و اعتبر غازي أن السياحة ليست مسؤولية الفاعلين فقط، بل هي رهان تنموي يهم الجميع، وطرح الإشكالية التقليدية التي تتار في كل مرة حول ما الذي يجب أن يسبق: البنية التحتية أم التنمية السياحية، مؤكدا أن التجربة ابانت على ان هناك بعض الوجهات العالمية تجذب السياح رغم بساطة البنيات التحتية بها، لأن الأهم هو قوة المنتوج مبينا أن بناء المنتوج السياحي يقوم على “سحر التجربة”، مستشهدا بأمثلة من المنتوج السياحي المحلي مثل المنزل التقليدي، وازرواضوم، وإرث محمد خير الدين، والثقافة الشعبية المحلية و الاكل التقليدي، واعتبر أن كلمة السر التي يمكن ان تنهض بالمنتوج السياحي هي “التجربة الحياتية” التي تقدمها المنطقة لفائدة السياح، كما شدد على أن تافراوت ليست مدعوة لاستقطاب اعداد كبيرة جدا وضخمة من السياح، بل على سياحة نوعية بتجربة اعمق وجودة اعلى.
و بخصوص المحاور و المداخلات؛ أوضح الفاعل في المجال السياحي رشيد اهراس الذي تحدث ضمن محور الدوار القديم.. ذاكرة المكان، ومؤهلات السياحة التراثية ( امسنات نموذجا)؛ أن تجربة “المنزل التقليدي” بدوار أمسنات لم تكن مجرد مشروع سياحي عابر، بل مبادرة فريدة ساهمت في إبراز التراث المعماري والأنماط المعيشية الأصيلة للمنطقة، حيث تمكن والده المرحوم عبد السلام اهراس، رغم إعاقته، من تحويل الفكرة إلى واقع يتيح للزوار عيش تجربة حياتية متكاملة تعكس روح الضيافة الأملنية، من خلال تقديم المأكولات المحلية، وعرض المنتوجات التقليدية القديمة، وأضاف أن ابنه مصطفى واصل المسار، مطورا المشروع ليصبح فضاء يروي حكاية دوار بأكمله، ويشكل نقطة جذب سياحي قائمة على التجربة الإنسانية والثقافية قبل أي شيء آخر، و اعتبر ان هذه التجربة شكلت الهاما للعديد ممن يبحث عن الاستقرار في المنطقة، وتحسين ظروف عيشه.
الدكتور هشام أمشاعرو، أستاذ بالجامعة الدولية لأكادير، الذي تحدث ضمن محور الترويج للمقومات السياحية لواد املن- المنتوج و المكانة عبر عن أسفه لكون بعض شباب المنطقة لا يستثمرون الظروف المواتية المتاحة لهم للنجاح محليا، مؤكدا أن السياحة تشكل جزءا مهما من الاقتصاد المحلي، ويمكن تطويرها عبر استثمار التراث المادي واللامادي الذي تزخر به المنطقة، الى جانب المؤهلات الطبيعية والجغرافية و المزارات التاريخية والأطباق التقليدية مثل “سكسو د واوساي” “سكسو د تلنتيت” اللذان يشكلان طبقين تتفرد بهما المنطقة، و يمكن تقديمهما للسياح.
وأشار إلى هناك إمكانيات كبيرة لتمويل المشاريع السياحية من عدة ممولين او من أبناء المنطقة، معتبرا أن شباب المنطقة لا يدركون قيمة “الكنز” الذي يملكونه، داعيا إلى توجيههم وتكوينهم للاستثمار في هذه المؤهلات من أجل الاستقرار وبناء ثقافة المنطقة.
واضاف أن المرحلة الحالية تتمحور حول “القوة الناعمة”، وهي قوة تمتلكها المنطقة لكنها غير مستغلة بالقدر الكافي، معتبرا على أن تافراوت تملك مؤهلات سياحية كبيرة قابلة للتطوير وتحتاج لمزيد من العمل والجهود.
ياسر شهمات، رئيس المجلس الإقليمي للسياحة، أكد أن تافراوت تحظى بمكانة مهمة على الخريطة السياحية الدولية بفضل مؤهلاتها المتنوعة، واعتبر أن التنمية السياحية ترتكز على ثلاثة عوامل أساسية:
1. الفاعل الترابي وصاحب القرار: الذي يدرك أهمية السياحة ويؤمن بها، وضرب مثالاً بجماعة أملن كنموذج ناجح في هذا الجانب.
2. الفاعل السياحي: الذي يجب ان يكون مكونا ومتمكنا من مجاله.
3. الفاعل المدني : الذي يجب ان يتحلى بحس الحفاظ على المحيط والتفاعل مع القطاع بالشكل المطلوب، مستشهدا بتجربة شفشاون في هذا الجانب.
وأوضح أن برنامج عمل المجلس الإقليمي للسياحة ميداني وتم الاعتماد في بلورته على التفاعل مع السلطات والفاعلين الترابيين، مع إجماع إقليمي على أن السياحة تمثل قاطرة للتنمية، بفضل تنوع المؤهلات بين الجبل والبحر والمدينة.
كما اكد على أهمية التكوين، والبنيات التحتية السياحية، والرقمنة كسلاح عصري، إلى جانب المشاركة في ملتقيات سياحية دولية، مما ساهم في تسجيل ارتفاع لعدد السياح سنة 2024 مقارنة بسنة 2019 المرجعية للفترة مابعد جائحة كوفيد 19.
وأشار إلى ان المجلس الإقليمي للسياحة يعمل على عدد كبير من الاوراش و المشاريع و يقوم بتدبير عدد من الفضاءات كما هو الشأن بالنسبة لمركز التوجيه السياحي بتافراوت، وكذا الأدوار التي يلعبها حلقة وصل بين الفاعلين والممولين، خاصة بالمناطق الخلفية لجهة سوس ماسة.
ياسين بكري، رئيس جمعية أملن للسياحة الإيكولوجية والتنمية المستدامة، أكد في مداخلته أن تنمية إقليم تيزنيت بصفة عامة و جماعة املن و منطقة تافراوت رهينة بالنهوض بالقطاع السياحي، مؤكدا أن السياحة الإيكولوجية على وجه الخصوص تكتسي أهمية خاصة لكونها تحافظ على المحيط الطبيعي وتصب على استدامة الموارد.
وأشار إلى وجود آفاق واعدة بالمنطقة ينبغي العمل على استثمارها، من بينها تنظيم لقاءات موجهة لفائدة الشباب الراغبين في خوض تجربة الاستثمار السياحي على مستوى تافراوت واملن، خاصة وأن هناك نماذج شبابية ناجحة استطاعت إطلاق مشاريع مثمرة في هذا المجال.
و اعتبر أن تطوير الخدمة السياحية، سواء فيما يتعلق بالإيواء أو باقي الخدمات، يعد ضرورة ملحة، داعيا المجلس الإقليمي للسياحة إلى الانخراط في تنظيم لقاءات تأطيرية وتكوينية لفائدة الشباب، خاصة وأن هناك من يتوفر على المؤهلات الشخصية والمالية الكافية لولوج القطاع.
كما نبه إلى أن أي تطوير للخدمات السياحية ينبغي أن يوازيه حرص على المحافظة على الهوية المحلية التي تميز تافراوت واملن، باعتبارها عنصرا أساسيا في التعريف بالمنطقة والترويج لها، إضافة إلى صون مؤهلاتها الطبيعية.
واعتبر بكري أن انسجام الرؤية بين الفاعل المدني والفاعل السياحي يشكل عاملا إيجابيا يسمح بإتاحة فرص نجاح المشاريع السياحية المستدامة، ويضع أسس تعاون متين يخدم التنمية المحلية.
و اكد الحاضرون على أن السياحة تمثل رافعة تنموية مهمة تتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين، من سلطات ومؤسسات ومجتمع مدني وساكنة محلية.
وقد ركز المتدخلون على ضرورة الربط بين السياحة وباقي القطاعات الإنتاجية كالفلاحة البيولوجية والصناعة التقليدية و تربية النحل و انتاج العسل والإيواء السياحي، مع إيلاء أهمية خاصة لجودة الخدمات والمنتوجات المقدمة للسائح، وتحسين التواصل والتأطير بين مختلف المتدخلين.
كما تم التطرق إلى إشكاليات غياب المعلومة السياحية، وضعف البنية التحتية، وضرورة استثمار التكنولوجيا في الترويج للمنطقة عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية والمواد الترويجية، إضافة إلى تثمين المبادرات الفردية والجماعية التي تساهم في تثمين الموروث الثقافي والطبيعي.
وخلص اللقاء إلى ضرورة العمل على إحداث مختبر تنموي ترابي يكون فضاء للتشاور والتفكير الجماعي، يعنى بالتدخل وتتبع وتنسيق مختلف الإشكاليات المرتبطة بالتنمية السياحية، مع تحديد مجال جغرافي واضح للتدخل، وضع برامج ومبادرات تتماشى مع خصوصيات المنطقة ومؤهلاتها الطبيعية والثقافية.
حدان عبد الحفيظ تافراوت

