الصحة في مفترق الطرق : إصلاح هيكلي أم خوصصة مقنّعة؟

ابراهيم
الوطنيةقضايا عامةمجتمع
ابراهيم2 يوليو 2025آخر تحديث : منذ 11 شهر
الصحة في مفترق الطرق : إصلاح هيكلي أم خوصصة مقنّعة؟

في خضم ما يُوصف بإصلاحات هيكلية كبرى، صادقت الحكومة مؤخرًا على النظام الأساسي النموذجي لمهنيي الصحة العاملين بالمجموعات الصحية الترابية، ضمن رؤية شاملة لإعادة هيكلة المنظومة الصحية ، هذه الخطوة التي جاءت مرفوقة بتفويض لبعض خدمات القطاع الصحي للقطاع الخاص ، أثارت جدلًا واسعًا بين من يعتبرها تحفيزًا للنجاعة وتحسينًا للجودة ، ومن يراها مدخلًا لتفكيك الوظيفة الصحية العمومية .

في الوقت الذي تقدّم فيه الحكومة مشروع تفويض بعض خدمات القطاع الصحي للقطاع الخاص ضمن ما تصفه بخطة إصلاح المنظومة وتحقيق العدالة المجالية ، مؤكدة أن الاستعانة بالقطاع الخاص لا تعني انسحاب الدولة ، بل تهدف الى الاستفادة من ديناميته وتكنولوجياته لتجاوز اختلالات مزمنة كالنقص في الموارد البشرية وضعف التجهيزات وانخفاض النجاعة الإدارية ، ويأتي هذا التوجه في سياق تنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية ، الذي ينص على تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإحداث المجموعات الصحية الترابية كأداة لتنزيل السياسات الصحية على المستوى الجهوي.

في هدا الجانب تتعالى أصوات محذّرة من أن هذا المسار قد لا يكون إلا تمهيدًا لخوصصة مقنّعة ، وانسحاب تدريجي للدولة من التزاماتها الاجتماعية وتحوّل خطير نحو منطق السوق في تدبير الحق في العلاج وإعادة تشكيل هده الخدمة الصحية وفق هدا المنطق بدل منطق الخدمة العمومية.
كما تطرح هذه الورقة تساؤلًا جوهريًا : هل نحن أمام إصلاح بنيوي حقيقي ، أم أمام خوصصة مقنّعة تُعيد تعريف الصحة كمجال استثماري لا كحق إنساني مكفول؟

غير أن المعطيات الميدانية تكشف ملامح انسحاب تدريجي للدولة من تدبير المرفق الصحي ، ما يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الإصلاح المنتظر.
فإذا كانت الدولة ، بإمكاناتها الواسعة، لم تنجح في ضمان خدمة صحية عمومية منصفة ، فكيف يمكن لجهات خاصة، هدفها الربح ، أن تقدّم خدمة بجودة أعلى وكلفة أقل؟ وهذا هو لبّ الإشكال، خاصة في ظل هشاشة الإطار القانوني، وغياب معايير دقيقة للمراقبة والمحاسبة.

اضافة الى ذلك هناك عدد من الفاعلون يسجلون أن الأطر الصحية نفسها تُشغَّل ضمن نظام التفويض بعقود بأجور منخفضة، وفي بيئات عمل أقل استقرارًا ، مما يؤثر سلبًا على جودة الأداء ويقوّض مبدأ الاستمرارية ، كما أن منطق الربح الذي يحكم عمل الشركات المفوّض لها يُبعدها غالبًا عن المناطق القروية والهامشية ، مما يعمّق الفجوة في الولوج العادل للعلاج .

وترى جهات مدافعة عن الصحة العمومية أن الإصلاح الحقيقي لا يرتبط فقط بمن يدبّر القطاع ، بل في وضوح التوجّه السياسي، وترسيخ مبدأ أن الصحة حق غير خاضع لمنطق السوق ، في غياب قانون صارم للمساءلة وآليات لحماية العدالة الاجتماعية، فإن التفويض قد يتحول إلى مدخل لتفكيك الوظيفة الصحية العمومية ، وليس إصلاحًا حقيقيًا لها.
كما يحذّر ناشطون من أن الاستمرار في تفويض الخدمات دون رؤية سياسية واضحة ومؤطرة قانونيًا قد يقود إلى فقدان القطاع العمومي لجوهره الاجتماعي ، وتحويل الحق في العلاج إلى امتياز تجاري ، لا خدمة عمومية مكفولة.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق