بلاغ مرصد حماية المستهلك إلى قضية التلميذ بصفرو: أين يبدأ الدفاع عن الحق في التمدرس وأين تنتهي حدود الاختصاص؟

ابراهيم
2026-01-04T21:24:26+03:00
أحداثقضايا عامةمجتمع
ابراهيم4 يناير 2026آخر تحديث : منذ 5 أشهر
بلاغ مرصد حماية المستهلك إلى قضية التلميذ بصفرو: أين يبدأ الدفاع عن الحق في التمدرس وأين تنتهي حدود الاختصاص؟

أعاد البلاغ الصادر عن المرصد المغربي لحماية المستهلك بخصوص قضية التلميذ (أ. م. )بإعدادية الدار الحمراء بإقليم صفرو النقاش حول منهجية التعاطي المدني مع القضايا المدرسية، وحدود تدخل الهيئات الجمعوية في ملفات ذات طبيعة تربوية خالصة. فقد تبنى البلاغ توصيف الواقعة باعتبارها طردًا ترتب عنه حرمان مؤقت من التمدرس، واستند إلى الفصل 31 من الدستور وإلى مقتضيات القانون الإطار 51.17 بخصوص إلزامية التعليم ومحاربة الهدر المدرسي، ودعا إلى إعادة التلميذ إلى مقاعد الدراسة في أقرب الآجال، وفتح بحث إداري للتأكد من مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها داخل المؤسسة التعليمية.

غير أن قراءة متأنية للبلاغ تثير أسئلة مشروعة حول المسار الذي اتُّخذ قبل اعتماد هذه الصياغة. هل طُلبت من المرصد مؤازرة رسمية وفق مسطرة واضحة؟ وهل جرى عرض الملف على المكتب أو الأجهزة التقريرية للهيئة وتدارسه جماعيًا قبل اتخاذ موقف معلن؟ ثم ما هي الوثائق والمعطيات التي استندت إليها اللجنة التي صاغت البلاغ؟ هل تمت مراسلة إدارة المؤسسة والمديرية الإقليمية والأكاديمية للاستفسار والحصول على رواية مضبوطة من داخل المنظومة التربوية؟ أم تم الاكتفاء بمعطيات مقدمة من طرف واحد هو وليّ الأمر، ثم البناء عليها لاتخاذ موقف ذي صبغة حقوقية وإعلامية في آن واحد؟

هذه الأسئلة ليست شكلية، بل تمس جوهر العمل المدني المسؤول، لأن الانتقال من طلب مؤازرة فردي إلى إصدار بلاغ عمومي لا يمكن أن يتم دون تحقق وتدقيق وتقييم جماعي. فالبلاغ لم يُشر إلى إجراءات تحقق أولية أو اتصالات مؤسساتية سبقت نشره، بل انطلق من فرضية “وقوع الطرد” واعتبر أن مصلحة القاصر قد انتُهكت، ثم دعا إلى مراجعة القرار وفتح بحث إداري وتوفير مواكبة تربوية ونفسية للتلميذ. غير أن منطق التحري كان يقتضي أولًا التأكد من الوضعية الإدارية للتلميذ داخل منظومة “مسار”، والاطلاع على محاضر التواصل مع وليّ الأمر، والتثبت مما إذا كان الأمر يتعلق فعلًا بقرار طرد صريح، أم بوضعية انقطاع متكرر أو تعثر سلوكي يحتاج إلى معالجة تربوية داخلية.

وتزداد الأسئلة قوة حين يتعلق الأمر بالشق الأخلاقي والقانوني المرتبط بنشر اسم التلميذ كاملًا في البلاغ. فالإشارة الصريحة إلى هوية قاصر موضوع نزاع تربوي تشكل مساسًا بحق شخصي أصيل في حماية المعطيات الخاصة، وتتناقض مع القواعد التي تلزم الفاعلين المدنيين بواجب الاحتياط والتكتم في قضايا الأطفال، خاصة حين تكون تفاصيلها غير محسومة بعد. إن الدفاع عن “المصلحة الفضلى للطفل” لا ينسجم مع تعريضه للتداول العمومي وربطه بواقعة حساسة، لأن آثار التشهير الرمزي قد تبقى أعمق وأطول من كل التداعيات التربوية الممكنة.

كما يطرح البلاغ مسألة جوهرية تتعلق بحدود الاختصاص. فالمرصد المغربي لحماية المستهلك يشتغل أساسًا داخل مجال حماية حقوق المستهلك والعلاقات الخدماتية، بينما المدرسة العمومية تخضع لمنظومة قانونية وتربوية لها بنيتها الخاصة ومجالسها التأديبية وقنواتها الإدارية. إن الانتقال مباشرة إلى الساحة الإعلامية في ملف من هذا النوع، دون استنفاد آليات الحوار المؤسساتي داخل المنظومة التربوية، ينقل القضية من سياقها الطبيعي إلى فضاء تأويلي ملتبس، قد يضغط على المؤسسة دون أن يقدم حلًا فعليًا للوضعية التي يعيشها المتعلم.

إن ما كان منتظرًا، قبل إصدار بلاغ بهذا الوزن الرمزي، هو التثبت أولًا من طبيعة الملف، والسؤال عن مدى قانونية الإجراء المزعوم داخل المساطر المعمول بها، والتواصل مع الإدارة التربوية لمعرفة ما إذا كانت قد سلكت التدرج التأديبي وسبل الإدماج، أو أنها فعلا اتخذت قرارًا يرقى إلى مستوى الحرمان من الحق في التمدرس. أما القفز مباشرة إلى توصيف الحادثة باعتبارها انتهاكًا، فهو خطوة سابقة للتحقق، تُغَلِّب الخطاب الحقوقي على مقتضيات التحري الموضوعي.

إن الدفاع عن حق الطفل في التعليم قيمة أساسية لا ينبغي التهاون بشأنها، لكنه دفاع يقتضي بدوره احترام مقتضيات القانون، وحماية الحياة الخاصة للقاصرين، والحرص على عدم تحويل التلميذ إلى موضوع عمومي قبل استنفاد كل سبل التحقق والتتبث. فالقضية، في نهاية المطاف، لا تتعلق ببلاغ يُقرأ أو موقف يُسجّل، بل بمسار تربوي حقيقي يعيش داخله طفل في طور التشكل، وينبغي أن يكون محور كل تدخل ومسؤولية.

هشام التواتي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق